الدولة العميقة واستنفاد الأوراق القديمة: هل حان وقت الانفتاح على الكفاءات الوطنية المستقلة؟
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

منذ الاستقلال المملكةالمغربية ، ظل المشهد السياسي المغربي يدور في حلقة مفرغة، تتكرر فيها الوجوه نفسها والخطابات نفسها والوعود نفسها، بينما تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد أدى هذا الوضع إلى اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الدستورية و المجتمع المدني والإعلام، وإلى تنامي الشعور العام بأن النخب التي تتصدر المشهد لم تعد قادرة على تقديم حلول حقيقية لمشكلات المملكة.
لقد أصبحت العديد من الأسماء التي يجري تقديمها للرأي العام باعتبارها نماذج للنجاح أو الكفاءة محل نقاش وجدال واسع داخل المجتمع. فالمواطن المغربي لم يعد يقيس الأمور بالشعارات ولا بالحملات الإعلامية، بل بالنتائج الملموسة على أرض الواقع: جودة التعليم، فعالية المنظومة الصحية، فرص الشغل، العدالة الاجتماعية حرية التعبيروالرأي محاربة الفساد و الإستبداد و الظلم والريع السياسي والإقتصادي وأشياءأخرى.
إن استمرار الاعتماد على النخب نفسها التي ارتبطت في نظر جزء واسع من الرأي العام بمظاهر الفشل أو تضارب المصالح أو العجز عن الاستجابة لتطلعات المواطنين، لا يمكن إلا أن يساهم في تعميق أزمة الثقة والاحتقان السياسي والاجتماعي. فالتجارب المتراكمة خلال العقود الماضية أظهرت أن إعادة تدوير الوجوه نفسها لا تنتج بالضرورة إصلاحاً حقيقياً، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى تأجيل الأزمات بدل معالجتها. اليوسفي بنكيران والعثماني عزيز أخنوش تجارب عمقت الأزمات و ساهمت في تفقير و تجويع و تجهيل الشعب المغربي.
وفي هذا السياق، يبرز اسم فوزي لقجع كأحد أكثر الأسماء حضوراً في النقاش العمومي. فبعد بروزه في تدبير الشأن الرياضي وتزايد حضوره داخل المشهد السياسي والحزبي، أصبح بالنسبة إلى منتقديه نموذجاً لاستمرار الاعتماد على الشخصيات نفسها داخل مراكز التأثير والقرار. ويرى هؤلاء أن النجاحات الرياضية الوهمية ، مهما كانت أهميتها في تعزيز صورة المغرب دولياً وإدخال الفرحة الوهمية على قلوب المغاربة، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن النقاش العمومي حول القضايا الأساسية المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية و حرية التعبير و الرأي و أشياء أخرى.
كما تعتبر أصوات سياسية وإعلامية وحقوقية أن التركيز المفرط على كرة القدم قد ساهم في توجيه اهتمام الرأي العام بعيداً عن ملفات اجتماعية واقتصادية ملحة، في وقت تتزايد فيه المطالب بترشيد الإنفاق العمومي وتعزيز الشفافية في تدبير المشاريع الكبرى وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واليوم، يبدو أن المغرب في حاجة إلى مرحلة جديدة قوامها الانفتاح على الكفاءات الوطنية المستقلة، من أكاديميين وخبراء واقتصاديين وقضاة ومثقفين وفاعلين مدنيين مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة. فهذه الطاقات موجودة داخل الوطن وخارجه، لكنها غالباً ما تبقى بعيدة عن دوائر القرار والتأثير، رغم ما تمتلكه من خبرات وقدرات يمكن أن تساهم في بناء سياسات عمومية أكثر فعالية وعدالة.
إن التحديات الكبرى التي تواجه المملكة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الجيوسياسي، تتطلب نخباً جديدة تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وتؤمن بالمصلحة العامة قبل المصالح الخاصة، وتستند إلى الكفاءة والإنجاز بدل العلاقات والشبكات التقليدية.
كما أن تعزيز الثقة في المؤسسات يمر عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص في الوصول إلى مواقع القرار، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية الحقيقية، بما يسمح بتجديد النخب وإعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل الذي يجعل خدمة المواطن والوطن فوق كل اعتبار.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها هي تلك التي أحسنت الاستفادة من جميع كفاءاتها الوطنية دون إقصاء أو تهميش، وجعلت من الكفاءة والنزاهة والاستحقاق معايير أساسية في اختيار المسؤولين وتدبير الشأن العام.
إن المغرب يتوفر على كل المقومات التي تؤهله لتحقيق قفزة نوعية في مسار التنمية والديمقراطية، لكنه في المقابل يحتاج إلى إرادة سياسية قوية لتجديد النخب، والقطع مع منطق إعادة إنتاج الوجوه نفسها، والانفتاح على كفاءات جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطنين في السياسة والمؤسسات.
ويبقى الأمل قائماً في أن تشهد المرحلة المقبلة دينامية إصلاحية حقيقية تفتح المجال أمام طاقات وطنية جديدة قادرة على الإسهام في بناء مغرب أكثر عدالة وشفافية ونجاعة، مغرب يستعيد ثقة مواطنيه ويؤسس لمستقبل يليق بتاريخه وإمكاناته ومكانته بين الأمم.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





