الديبلوماسية المغربية تنجح في اعادة تموضع ملف الصحراء

بقلم:سلمان بونعمان
يشكّل ما شهده العالم اليوم منعطفًا تاريخيًا في مسار الوحدة الوطنية وقضية الصحراء المغربية، ويُعدّ القرار الأممي الأخير بشأن الصحراء المغربية الحدث الأكبر منذ المسيرة الخضراء المجيدة. فقد تمكّن المغرب، بفضل الرؤية الملكية الحكيمة والدبلوماسية الذكية، من تحقيق اختراق غير مسبوق في ظلّ استقطاب دولي حادّ ونظام عالمي بالغ التعقيد، تتصارع فيه المشاريع الكبرى وتُعاد فيه صياغة موازين القوى الإقليمية والدولية.
نجحت الدبلوماسية المغربية في إعادة تموضع ملف الصحراء ضمن مسار الحلول الواقعية القائمة على الحوار والتفاهم والمسؤولية المشتركة، وجعلت من مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية مرجعًا معتمدًا للتوافق الدولي وحلًا سياسيًا مستدامًا. ويؤكد هذا التحوّل أن المغرب بات اليوم نموذجًا في الاستقرار والتوازن داخل منطقة تموج بالأزمات والانقسامات، مما يعزّز مكانته ويؤهله ليكون قوة حضارية فاعلة في محيطه الإفريقي والمتوسطي.
المغرب الذي استعاد أرضه بالمسيرة الخضراء، يستعيد اليوم اعتراف العالم بعدالة قضيته ومشروعية وحدته ومصداقية مقترحه في الحكم الذاتي. وهذا الإنجاز يجسّد وعي الدولة الحضارية التي تستند إلى التاريخ وتستمدّ وحدتها من عمقها ورمزيتها وتجذرها التاريخي والروحي.
لقد واجهت الدولة المغربية تحديات الغزو والتقسيم، لكنها ظلت تعيد إنتاج نفسها في أشكالٍ وحدويةٍ متعددة – أدارسة، مرابطون، موحدون، مرينيون، سعديون، علويون – محافظةً بذلك على استمرارية الدولة بوصفها فكرة وهوية وروحًا وكيانًا تاريخيًا وسياسيًا موحَدًا ومُوحِدًا للأمة المغربية. وفي الوقت الذي تفكّكت فيه دول كثيرة، ظلّ المغرب يؤكد تماسكه الوطني والمؤسسي والروحي، مستندًا إلى ثوابته الوطنية والدينية والحضارية التي جعلت منه كيانًا متجذرًا في التاريخ، يمتلك ذاكرة ممتدة وقدرة دائمة على تجديد معنى الوحدة والوطن. فـالسيادة المغربية تمثّل رمز الانتماء والاستمرار الحضاري، وتجمع بين الشرعية الدينية والتاريخية والحديثة في توازنٍ دقيق.
ويُعدّ تثبيت المغرب لوحدته الترابية انتصارًا لمفهوم الدولة الحضارية ذات الشرعية التاريخية في مواجهة منطق التفتيت الإقليمي وهندسة الهويات المصطنعة. فهو انتصار للذاكرة والهوية والتاريخ، وتجسيدٌ لروح المسيرة الخضراء التي تُلهم الأجيال وتغذّي الوعي الوطني. وهكذا يفتتح المغرب مرحلة جديدة من الوعي بوحدته ومسؤوليته الحضارية محليًا وإقليميًا، مرحلة تعيد وصل الماضي بالمستقبل في أفق بناء نموذج ديمقراطي متجدد ومتماسك للدولة والإنسان، وإطلاق مسار جديد لإعادة بناء مشروع مغاربي–إقليمي–إفريقي داعم للوحدة والاستقرار والتنمية.
سلمان بونعمان
31 أكتوبر 2025





