الرباط وباماكو : من التضامن المبدئي إلى الشراكة البنيوية
بقلم ذ. شعيب الخدالي

لم يكن الموقف المغربي المندد بالهجمات الإرهابية الأخيرة التي طالت العاصمة باماكو ومدناً استراتيجية مثل “جاو” و”كيدال” و”موبتي”، مجرد رد فعل ظرفي أو بروتوكولي. بل جاء هذا التضامن ليعكس قناعة مغربية راسخة بأن أمن الساحل هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي للمملكة.
هذه الهجمات المنسقة، التي كشفت عن تصاعد خطورة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، تزامنت مع تحول جذري في الموقف المالي تجاه الثوابت المغربية. فقد اختارت باماكو، بمنطق السيادة والواقعية السياسية، الانحياز لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد وأوحد لنزاع الصحراء، مسقطة بذلك أوهام الأطروحات الانفصالية التي فقدت بريقها في ظل الحاجة الملحة للاستقرار.
رؤية ملكية: هندسة “الاستقرار المشترك”
يعود الفضل في هذا التقارب النوعي إلى المقاربة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي أعادت تعريف دور المغرب كقطب استقرار فاعل في عمقه الإفريقي. هذه الرؤية الملكية لم ترتكز فقط على الخطاب السياسي، بل قامت على “ثلاثية النجاعة”:
1. الوضوح في الثوابت: ربط الشراكات الدولية بمبدأ احترام الوحدة الترابية للمملكة.
2. الفعل التنموي: الاستثمار في الأقاليم الجنوبية وتحويلها إلى جسر قاري للتعاون.
3. التعاون جنوب-جنوب: بناء شبكة أمان متعددة المستويات تشمل الأمن، التكوين، والدعم الديني والاقتصادي.
“إن الشراكة مع المغرب توفر نموذجاً فريداً يوازن بين احترام السيادة الوطنية والتعاون الاستراتيجي الميداني، مما جعل المملكة شريكاً موثوقاً في زمن تتسابق فيه القوى الدولية لملء الفراغات الجيوسياسية.”
الساحل.. مسرح التحديات وفرص التحالف
تعيش منطقة الساحل اليوم مخاضاً أمنياً عسيراً؛ فتقارير الأمم المتحدة تشير إلى نزوح أكثر من 3 ملايين شخص وتسجيل آلاف الضحايا سنوياً بسبب نشاط الجماعات المسلحة. وفي ظل تراجع نفوذ قوى دولية وتقليدية، برز المغرب كـ “وسيط مستقر” يمتلك الشرعية التاريخية والقدرة الميدانية.
التقارب المغربي-المالي يمثل اليوم معادلة “رابح-رابح”:
• سياسياً: تعزيز “الشرعية التراكمية” لمغربية الصحراء من خلال زخم القنصليات والدعم الدولي المتزايد.
• أمنياً: سد الفراغات التي تستغلها الجماعات المتطرفة عبر تبادل الخبرات والتنسيق الاستراتيجي.
• تنموياً: خلق ممرات اقتصادية تعيد الأمل لشعوب المنطقة بعيداً عن منطق السلاح.
نحو خريطة طريق جديدة للاستقرار الإقليمي
إن انتقال ملف الصحراء المغربية من دائرة النزاع السياسي إلى أفق الحل الواقعي المدعوم دولياً، لم يكن ليتحقق لولا هذا النوع من التحالفات البنيوية مع دول محورية مثل مالي. فالدول التي تواجه تهديدات وجودية أدركت أخيراً أن استقرارها الداخلي مرتبط بشبكات دعم إقليمية موثوقة وليس باصطفافات إيديولوجية متجاوزة.
في الختام، لا يمكن اختزال الموقف المغربي من أحداث مالي في كونه مجرد رد فعل دبلوماسي، بل هو تعبير عن رؤية جيوسياسية متكاملة، تسعى إلى ترسيخ موقع المغرب كفاعل محوري في إفريقيا، وشريك موثوق في صناعة الاستقرار. رؤية يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وتقوم على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء تحالفات قائمة على الوضوح والثقة، في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة الإقليمية بشكل متسارع.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة الموقف المغربي من الأحداث في مالي باعتباره امتداداً لسياسة خارجية متوازنة، تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية والانخراط في دعم الاستقرار الإقليمي. وهي مقاربة تعكس حرص المغرب على بناء علاقات تعاون قائمة على الوضوح والاحترام المتبادل، بما يسهم في تعزيز الأمن والتنمية داخل الفضاء الإفريقي.





