الواجهة

الرجل والمرأة… شريكان أم خصمان؟

المصطفى عبسي 
******** الرجل والمرأة… شريكان أم خصمان؟ ********

نعيش اليوم في عالم مفتوح، لم تعد فيه الأفكار حبيسة الكتب والمجالس والدوائر الضيقة. بضغطة زر، يمكن لتجربة شخصية أن تتحول إلى رأي عام، ويمكن لخلاف عائلي أن يصبح قضية يتداولها الآلاف، ويمكن لتدوينة عابرة أن تترك أثرًا في نظرة الناس إلى الزواج والرجل والمرأة والأسرة. وفي خضم هذا الانفتاح، بدأت ألاحظ انتشار بعض الخطابات التي تتحدث عن علاقة المرأة بالرجل، وعن التحرر والاستقلال وعدم التبعية، وإقحام الدين في ذلك في كثير من الأحيان.
والسؤال هنا ليس: هل من حق المرأة أن تكون حرة ومستقلة؟ بالطبع من حقها أن ترفض الظلم والإهانة والاستغلال والتسلط، كما أن من حق الرجل أيضًا أن يرفض الظلم والإهانة والاستغلال. السؤال الأهم هو: متى يتحول خطاب التحرر من ظلم الرجل (إذا كان هناك ظلم من طرفه) إلى خطاب التحرر من الرجل نفسه؟ ومتى تتحول المطالبة بالحقوق إلى صناعة صورة نمطية تجعل الرجل متهمًا لمجرد كونه رجلًا؟
من الطبيعي أن تحكي المرأة تجربتها، خصوصًا إذا مرت بعلاقة مؤذية أو زواج لم يُكتب له الاستمرار. ومن الطبيعي أن تنصح غيرها بناءً على ما عاشته، بل قد تكون تجربتها مصدرًا مهمًا للتحذير والاستفادة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التجربة الشخصية إلى قاعدة عامة. ففشل امرأة في زواجها لا يعني أن الزواج مؤسسة فاشلة، كما أن نجاح رجل في حياته الزوجية لا يعني أن كل الرجال صالحون. وكذلك فإن تجربة مؤلمة عاشها رجل لا تمنحه الحق في إدانة النساء جميعًا.
إن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين الفرد وسلوكه، وبين الجنس الذي ينتمي إليه. فإذا أخطأ طرف، رجلًا كان أو امرأة، فليتحمل مسؤولية خطئه. أما أن يصبح خطأ الفرد دليلًا على فساد جماعة بأكملها، فذلك ليس عدلًا، بل تعميم، والتعميم لا يصنع إنصافًا.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها. فعندما يرتكب رجل جريمة أو يمارس سلوكًا سيئًا، نجد أحيانًا من يسارع إلى تعميم الأمر على الرجال جميعًا، وتبدأ التحليلات والتأويلات والتهويلات، وقد يُقحم الدين في الموضوع لإثبات أن المشكلة مرتبطة بطبيعة الرجل أو بعقليته. وفي بعض الخطابات، عندما ترتكب امرأة الخطأ نفسه، قد يتغير الخطاب تمامًا؛ تصبح هي الضحية، ويُبحث لها عن الأعذار والظروف والتبريرات، ولا يُسمح بتعميم فعلها على بقية النساء.
وهنا يحق لنا أن نسأل: إذا كان الخطأ فرديًا عندما ترتكبه امرأة، فلماذا لا يكون فرديًا عندما يرتكبه رجل كذلك؟ وإذا كان لا يجوز تحميل النساء مسؤولية فعل امرأة، فلماذا يصبح مقبولًا تحميل الرجال جميعًا مسؤولية فعل رجل؟ فالعدل لا يتغير بتغير جنس المخطئ.
أما إقحام الدين في هذه المعارك، فهو أمر يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالدين ليس مادة انتقائية نأخذ منها ما يخدم موقفنا ونترك ما لا يخدمه. ومن الخطأ أن يتحول الدين إلى وسيلة لتبرير تسلط الرجل، فيفقد معناه الحقيقي في التطبيق، كما لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لتصوير الرجل باعتباره خصمًا طبيعيًا للمرأة. لذلك، فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن يكون قائمًا على الفهم والإنصاف، لا على الاقتباس الانتقائي.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن أن نتخلى عن مفهوم الأسرة كليًا؟ قد يبدو هذا السؤال فلسفيًا، لكنه في الحقيقة سؤال اجتماعي وواقعي. فالأسرة ليست مجرد علاقة بين رجل وامرأة، وإنما هي إطار للاحتضان والرعاية والتنشئة وتحمل المسؤوليات، وهي إحدى أهم المؤسسات التي عرفها المجتمع لتنظيم العلاقة بين الأجيال.
وفي المغرب نفسه، ينظر الإطار القانوني للأسرة إلى الزواج باعتباره ميثاقًا يهدف إلى إنشاء أسرة مستقرة، كما يقرر مسؤوليات وحقوقًا متبادلة بين الزوجين، من بينها التعاون في شؤون البيت والأطفال والتشاور في القرارات الأسرية. ومن هنا فإن أي حديث عن الاستغناء الكامل عن أحد طرفي الأسرة يجب ألا يتوقف عند الرغبة الفردية، بل يجب أن يسأل عن النتائج الاجتماعية.
استقرار الأسرة، مسؤولية الأبوة والأمومة، رعاية الأطفال، النسب، والتنشئة… كلها قضايا لا يمكن تجاوزها بمجرد شعار أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. فهل تستطيع النساء الاستغناء عن الرجال كليًا؟ وبالمنطق نفسه: هل يستطيع الرجال الاستغناء عن النساء كليًا؟ إذا كان الجواب نعم، فعلينا أن نسأل: ما البديل؟ ومن يتحمل مسؤوليات الأبوة والأمومة؟ وكيف ستنظم رعاية الأطفال؟ وكيف سيحافظ المجتمع على استقرار الروابط الأسرية ووضوح الأنساب؟
ثم ماذا سيحدث إذا تحولت العلاقات الإنسانية إلى علاقات عابرة بلا مسؤولية أسرية واضحة؟ قد نواجه عندها مخاطر مزيد من التفكك، ومزيد من الأطفال الذين قد يجدون أنفسهم خارج إطار أسري مستقر، ومزيدًا من المشكلات المرتبطة بالرعاية والنسب والتنشئة. لكن هذا لا يعني أن كل زواج ناجح، ولا أن كل أسرة آمنة، ولا أن الإنسان مطالب بالبقاء في علاقة مؤذية. على العكس، مواجهة العنف والظلم والاستغلال داخل الأسرة واجب أخلاقي واجتماعي وقانوني. لكن إصلاح الأسرة شيء، وإلغاء الأسرة شيء آخر.
إننا نعيش اليوم في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح «جيب يا فم وݣول» واقعًا يوميًا. كل تجربة قابلة لأن تُروى، وكل خلاف يمكن أن يتحول إلى تدوينة، وكل ألم يمكن أن يجد طريقه إلى جمهور واسع. وفي هذا الفضاء، يبدو أن بعض النساء أصبحن أكثر استعدادًا للبوح بما يجري داخل علاقاتهن، والحديث عن تفاصيل تجاربهن، وتقاسم آلامهن ومشكلاتهن مع الآخرين، بينما يظل كثير من الرجال أكثر ميلًا إلى الصمت والكتمان، وربما إلى تحمل ما يجري معهم دون أن يحكوا عنه.
وهنا تظهر مشكلة مهمة: هل ما نراه على وسائل التواصل يعكس الحقيقة كاملة، أم يعكس فقط الجزء الذي اختار أحد الطرفين أن يرويه؟ حين نسمع رواية طرف واحد باستمرار، قد نعتقد أن الصورة كاملة، بينما يكون الطرف الآخر صامتًا، لا لأنه لا يملك ما يقوله، وإنما لأنه لم يتعود أن يحول ألمه إلى منشور، أو لأنه يرى في البوح ضعفًا، أو لأنه يخشى أن يُساء فهمه.
وهذا لا يعني التشكيك في كل ما ترويه النساء، كما لا يعني افتراض أن كل رجل صامت هو الضحية. إنما يعني شيئًا بسيطًا: لا يمكن بناء حكم عادل على علاقة إنسانية معقدة اعتمادًا على الرواية الأكثر حضورًا في فضاء التواصل الاجتماعي. فالصوت الأعلى ليس بالضرورة صاحب الحق، وكثرة الروايات والحجج في اتجاه واحد لا تعني بالضرورة أن الطرف الآخر لا يملك ما يفيد من روايات وحجج.
لا مشكلة في أن تتحرر المرأة من الظلم، ولا أن تطالب بحقوقها، ولا أن ترفض علاقة تؤذيها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التحرر من الظلم إلى عداء للرجل، وعندما يصبح الاستقلال مرادفًا لإلغاء الشراكة، وعندما تتحول تجربة فاشلة إلى حكم على مؤسسة الزواج بأكملها.
وبالمقابل، لا يجوز للرجل أن يستعمل مفهوم الرجولة أو المسؤولية ذريعة للتسلط والإهانة والتحكم. فالرجولة ليست تسلطًا، والقوة ليست قهرًا، والاستقلالية في جوانب معينة ليست قطيعة، والشراكة ليست تبعية.
هل نريد مجتمعًا بلا رجال أو بلا نساء؟ لنتخيل فقط إلى أين يمكن أن يقودنا منطق الصراع. امرأة تقول: لا أحتاج إلى رجل. ورجل يقول: لا أحتاج إلى امرأة. ثم يتحول الأمر من خيار شخصي إلى خطاب عام يحرض كل طرف على الاستغناء عن الآخر.
فهل يمكن أن يبنى مجتمع سوي بهذه العقلية؟ هل يمكن أن تستمر الأسرة؟ هل يمكن أن نضمن رعاية الأطفال وتربيتهم؟ هل يمكن أن نحافظ على الروابط الأسرية والنسب؟ وهل سيكون البديل أكثر استقرارًا وأمانًا، أم أننا قد نفتح الباب أمام مزيد من العلاقات العابرة والتفكك والتخلي عن الأطفال؟
هذه ليست أسئلة أخلاقية فقط، وإنما أسئلة اجتماعية تستحق البحث الجاد؛ لأن المجتمع لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالمسؤولية.
ربما آن الأوان لأن نعترف بأن الرجل، مثل المرأة، قد يتألم. لكن ثقافتنا الاجتماعية جعلت كثيرًا من الرجال يتعلمون منذ الصغر أن الصمت قوة، وأن الشكوى ضعف، وأن الرجل يجب أن يتحمل مهما حدث. وهكذا قد تكون هناك قصص كثيرة لا تصل إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
قصص رجال صمتوا، ورجال تحملوا، وآخرين منهم أخفوا آلامهم خلف صورة القوة.
ولذلك، فإن الإنصاف الحقيقي لا يعني أن نستبدل صمت الرجل بصوت المرأة، وإنما النظر في مرآة واحدة، فنمنح كلا الطرفين الحق في أن يُسمع عندما يتألم؛ لحماية المرأة من العنف، والرجل من الظلم. علينا أن نربي أبناءنا على المسؤولية بدل أن نربيهم على الشك والعداء بين الجنسين.
وفي زمن الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج المحتوى أسرع وأسهل من أي وقت مضى؛ بحيث يمكن لأي فكرة أن تتحول إلى آلاف المنشورات، وأي قصة إلى عشرات المقاطع، وأي خطاب إلى موجة واسعة من التأثير.
وهنا يكمن الخطر!
إذا استعملنا الذكاء الاصطناعي لتغذية الصراع بين الرجل والمرأة، فإننا لن نحل مشكلاتنا، بل سنضاعفها. فما أسهل صناعة محتوى يثير الغضب بهذه الوسيلة. أما إذا استعملناه لتحليل أسباب الطلاق، وفهم مشكلات الأسرة، ودراسة العنف، وتحسين التربية، ومساعدة الأزواج على التواصل، ودعم الأطفال، فإن التكنولوجيا تصبح وسيلة للإصلاح بدل أن تكون وسيلة لتسميم العلاقات.
وهذا هو الأصعب والأهم: أن نصنع محتوى يساعد الإنسان على الفهم وإدراك مغزى الأمور، لا أن نجعله إمّعة تردد ما تسمعه دون تفكير.
لقد آن لنا أن نتجاوز فكرة أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا يمكن أن تقوم إلا على معادلة: غالب ومغلوب، متسلط وضحية، قوي وضعيف.
لماذا لا ننظر إليها باعتبارها علاقة بين إنسانين، لكل واحد منهما كرامته وحقوقه وواجباته؟ لماذا لا نبحث عن الرجل الصالح بدل اختزال الرجل في صورة المتسلط؟ ولماذا لا نبحث عن المرأة الصالحة بدل اختزال المرأة في صورة الضحية؟
فالمرأة ليست مطالبة بأن تكون تابعة للرجل، والرجل ليس مطالبًا بأن يكون متسلطًا على المرأة. كلاهما يحتاج إلى الآخر، ليس بمعنى العجز، وإنما بمعنى التكامل والشراكة الإنسانية والاجتماعية؛ لأن المجتمع لا يقوم على الرجال وحدهم، ولا على النساء وحدهن، إنه يقوم على الإنسان والأسرة والمسؤولية والتكامل.
ولذلك، فإننا لا نحتاج إلى خطاب يجعل المرأة تشيطِن الرجل، ولا إلى خطاب يجعل الرجل يخشى من إهانات المرأة. فالرجل لا يحتاج إلى امرأة ضعيفة حتى يشعر بقوته، والمرأة لا تحتاج إلى رجل ضعيف حتى تفرض شخصيتها.
القوة الحقيقية أن يكون كل واحد منهما سندًا للآخر، لا ندًا له.
إن المشكلة ليست في وجود اختلاف بين الرجل والمرأة؛ فالاختلاف طبيعي. وليست المشكلة في أن تطالب المرأة بحقوقها، ولا في أن يطالب الرجل بحقوقه. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع، والحق إلى انتقام، والتجربة الفردية إلى حكم جماعي، والدين إلى أداة انتقائية، ووسائل التواصل إلى محكمة لا تسمع إلا صوتًا واحدًا.
لقد حان الوقت لأن نعود إلى أصل المسألة:
الرجل والمرأة ليسا خصمين في معركة لا تنتهي، وإنما شريكان في بناء الأسرة والمجتمع.
فإن كان هناك خلل في العلاقة بين الجنسين، فلنبحث عن أسبابه وحلوله، حتى لا نهدم الأسرة لأن بعض الأسر فشلت في تجربة الزواج، ولا ندين كل الرجال لأن بعض الرجال ظلموا؛ ولا كل النساء لأن بعض النساء أخطأن.
فالظلم والكرامة لا جنس لهما، والإنصاف لا ينبغي أن يكون انتقائيًا.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس:
هل يستطيع الرجل أن يعيش دون المرأة؟
ولا:
هل تستطيع المرأة أن تعيش دون الرجل؟
بل:
هل يستطيع المجتمع أن يحافظ على توازنه إذا نجح في إقناع نصفه بأن النصف الآخر هو عدوه؟
ربما يكون جواب هذا السؤال هو الذي سيحدد شكل الأسرة والمجتمع الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى