الرزق تحت المجهر والقانون يلبس أكثر من قبعة … مدينة أزمور نموذجا

عندما يتحول تطبيق القانون إلى سؤال، يصبح من حق المواطن أن يسأل: هل نحن أمام قانون واحد للجميع… أم أمام قانون يتغير حسب صاحب المحل ؟.
ليست كل الشكايات بحثا عن التعاطف، ولا كل النداءات محاولة للحصول على معاملة خاصة. أحيانا يكتب المواطن لأنه ببساطة لم يجد أمامه سوى الرأي العام ليطرح أسئلة يقول إنها خرجت من رحم تجربة شخصية ما زالت مفتوحة على أكثر من علامة إستفهام.
في مدينة أزمور، أختار أحد التجار أن يوجه نداءا للرأي العام تحت عنوان يحمل الكثير من الدلالات: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ” متحدثا عن ما يعتبره تضييقا متكررا يمس نشاطه التجاري ومصدر رزقه .
صاحب النداء يقول إنه، بعد خروجه من تجربة إعتقال سابقة مرتبطة بمواقفه وأنشطته المدنية، واصل التعبير عن قناعاته ومواقفه، قبل أن يجد نفسه، حسب روايته، في مواجهة ما يعتبره مراقبة وضغوطا متكررة، خصوصا كلما تعلق الأمر بحملات مرتبطة بإستغلال الملك العمومي وتنظيم النشاط التجاري.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تقرأ بعيدا عن الإنفعال، وبعيدا أيضا عن منطق “شد هذا وأترك ذاك”.
فالمعني بالأمر يقول إنه يتوفر على محلين تجاريين، وإنهما أصبحا، حسب روايته، موضوع تضييق متكرر، متسائلا عن سبب التركيز عليه دون غيره، وعن مدى تطبيق القواعد نفسها على جميع الحالات المتشابهة.
لكن المفاجأة التي يرويها الرجل جاءت من جهة أخرى.
فبحسب إفادته، أخبره بعض جيرانه أنهم أستدعوا إلى إحدى الملحقات الإدارية، وطلب منهم، وفق ما نقلوه إليه، توقيع إلتزام يتضمن عدم السماح له بوضع سلعته أمام محلاتهم، حتى وإن كانت تلك المحلات مغلقة.
وهنا، بصرف النظر عن صحة هذه الإفادة من عدمها، يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل وصل تطبيق القانون إلى مرحلة أصبح فيها الجار مطالبا بأن يراقب جاره ؟.
وإذا كان إستغلال الملك العمومي ممنوعا، فالقانون واضح، ولا يحتاج إلى “حارس شخصي ” لكل محل تجاري. أما إذا كانت هناك مخالفات، فالمساطر القانونية موجودة، والجهات المختصة تعرف جيدا كيف تطبقها.
لكن المواطن يريد أن يعرف شيئا أبسط من كل هذه التعقيدات :
هل المعيار واحد للجميع ؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مدينة ليس تطبيق القانون، وإنما أن يشعر المواطن بأن القانون يطبق عليه بطريقة مختلفة عن الآخرين.
صاحب النداء يتحدث كذلك عن وقائع أخرى يقول إنها حدثت داخل محله، وعن تعامل يعتبره مسيئا، وعن سلع يقول إنها تعرضت لخطر التلف أو الكسر أثناء إحدى عمليات التدخل.
ويؤكد أنه يتوفر على صور وفيديوهات قال إنها توثق جانبا من هذه الوقائع، وأنه مستعد للإدلاء بها للجهات المختصة حتى يتم التحقق من حقيقة ما جرى.
وهنا، مرة أخرى، لا ينبغي أن تتحول القضية إلى محكمة على مواقع التواصل الإجتماعي.
الفيديوهات للجهات المختصة، والقانون للمخالفات، والحقيقة لا تحتاج إلى لايف طويل كي تثبت نفسها.
الرجل لا يقول إنه يريد أن يكون فوق القانون، بل يقول العكس تماما : ليطبق القانون عليه إذا أخطأ، ولكن ليطبق على الجميع بالمعيار نفسه.
وهذه، في الحقيقة، ليست مطالبة غريبة.
فإذا كان إستغلال الملك العمومي ممنوعا، فليمنع على الجميع.
وإذا كانت هناك مخالفات، فلتحرر بشأنها المحاضر وفق القانون.
وإذا كان التاجر مخطئا، فليتحمل مسؤوليته.
لكن في المقابل، إذا كان هناك شعور بإستهداف شخص بعينه بسبب مواقفه أو نشاطه المدني، فذلك أيضا سؤال يستحق جوابا واضحا، لأن الرزق ليس ورقة ضغط، والإختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة إقتصادية خارج إطار القانون.
والأكثر إثارة للسخرية في هذه الحكاية أن المواطن قد يجد نفسه ذات صباح مضطرا إلى البحث عن إجابة لسؤال بسيط جدا:
هل نحن أمام تطبيق للقانون… أم أمام قانون يطبق نفسه حسب الظروف؟
فالقانون، في النهاية، ليس “بوفيه مفتوحا” نختار منه ما يناسبنا، ولا ينبغي أن تكون هناك نسخة خاصة لكل مواطن.
المطلوب ليس إمتيازا، ولا حصانة تجارية، ولا إستثناءا من القواعد.
المطلوب فقط شيء بسيط إسمه الإنصاف.
أما إذا كانت هناك تجاوزات، فالمسطرة القانونية هي الفيصل، وليس الإنطباعات ولا الإتهامات المتبادلة.
وفي إنتظار توضيحات الجهات المعنية، يبقى السؤال الذي طرحه صاحب النداء مفتوحا:
هل ما يحدث مجرد تطبيق عادي للقانون ؟ أم أن وراء تكرار هذه الوقائع أسبابا أخرى تستحق أن يعرفها الرأي العام ؟.
السؤال مشروع، والإجابة يفترض أن تكون أوضح من السؤال.
لأن المواطن قد يتحمل مخالفة، وقد يتحمل غرامة، وقد يتحمل حتى إغلاق محل إذا ثبتت المخالفة وفق القانون…
لكن ما لا ينبغي أن يتحمله هو أن يشعر بأن رزقه أصبح ثمنا لإختلافه في الرأي.
وفي نهاية المطاف، تبقى القاعدة التي لا تحتاج إلى قرار إداري ولا إلى لجنة ولا إلى محضر:
طبقوا القانون… ولكن لا تجعلوا القانون نفسه موضع شبهة .





