الرصيف يقتل والضمائر تكتب محاضر البراءة


ليس الفقر هو الذي يقتل دائماً، بل الصمت الذي يحيط به. وليس المرض وحده من يفتك بالناس، بل ذلك الجدار السميك من اللامبالاة الذي يجعل الإنسان يسقط أمام أعين الجميع دون أن يمد إليه أحد يد الإنقاذ.
في كل مرة تهز الرأي العام صورة مواطن ممدد على الرصيف، تتكرر المسرحية نفسها. يتسابق البعض إلى البحث عن أعذار للمأساة بدل البحث عن أسبابها. يقال إنه مختل نفسياً، أو متشرد، أو يعيش ظروفاً خاصة. وكأن هذه الأوصاف أصبحت وسيلة سريعة لدفن الأسئلة المحرجة وإغلاق ملف المسؤولية قبل فتحه.
لكن الحقيقة التي يحاول كثيرون الهروب منها واضحة وصادمة: لا أحد يولد على الرصيف، ولا أحد يختار الجوع أو التشرد أو الانهيار الإنساني بإرادته. هناك دائماً سلسلة طويلة من الإهمال والتقصير والتخلي تنتهي بجسد منهك على قارعة الطريق.
المأساة ليست في الصورة التي تنتشر على مواقع التواصل، بل في السنوات التي سبقتها. في النداءات التي لم يسمعها أحد. في الأبواب التي أغلقت. في الحقوق التي بقيت حبراً على ورق. وفي السياسات التي تتحدث عن الكرامة بينما يموت أصحابها في الهامش.
الأخطر أن المجتمع أصبح يتعامل مع هذه المشاهد كما لو أنها جزء طبيعي من الحياة. نغضب لساعات، نتعاطف لأيام، ثم نواصل السير وكأن شيئاً لم يكن. وهكذا يتحول الضحايا إلى أرقام، وتتحول المآسي إلى أخبار موسمية، بينما يظل المسؤول الحقيقي مجهولاً أو محمياً أو خارج دائرة المساءلة.
إن الأمم لا تُختبر في طريقة تعاملها مع الأقوياء، بل في قدرتها على حماية الضعفاء. وعندما يصبح الرصيف مأوى للمهمشين ومستشفى للمرضى ومقبرة للفقراء، فإن الأمر لم يعد حادثاً عابراً، بل إنذاراً خطيراً يكشف خللاً عميقاً في منظومة يفترض أنها وجدت لحماية الإنسان لا لمشاهدة سقوطه.
اليوم لم يعد السؤال: لماذا مات هذا المواطن أو ذاك؟
السؤال الأكثر إزعاجاً هو: من الذي سمح بوصوله إلى تلك النهاية؟
ومن الذي اعتاد تبرير الكارثة بدل منعها؟
ومن الذي حول الرصيف من ممر للناس إلى محطة أخيرة للفقراء؟
حتى ذلك الحين، سيظل الرصيف شاهداً صامتاً على ضحايا لا يقتلونهم الفقر والمرض وحدهما، بل يقتلهم أيضاً مجتمع يتقن صناعة الأعذار أكثر مما يتقن صناعة الحلول.




