الواجهةمجرد رأي

“الرويبضة وصناعة التفاهة

“الرويبضة وصناعة التفاهة: حين يتصدر الفن الهابط شؤون السياسة والدين والأمة”…

بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.

من الظواهر التي أخذت تتسع في عالمنا العربي والإسلامي في العقود الأخيرة ظاهرةُ تصدُّر بعض الفنانين والفنانات والراقصات والمشاهير للحديث في القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية، حتى أصبح بعضهم يُقدَّم في وسائل الإعلام بوصفه خبيراً في شؤون الأمة، وموجهاً للرأي العام، وصاحبَ رؤية في مصائر الدول والشعوب، مع أن كثيراً منهم لم يُعرف بعلمٍ شرعي، ولا بثقافة سياسية رصينة، ولا بخبرة اقتصادية أو عسكرية، وإنما عُرفوا بأعمال فنية هابطة في كثير من الأحيان، أو بأدوار تمثيلية ساهم بعضها في نشر التفاهة والانحلال الأخلاقي وتخريب الذوق العام وضرب منظومة القيم في المجتمعات العربية والإسلامية. والمفارقة العجيبة أن بعض الأنظمة العربية لم تكتفِ بإعطائهم المنابر الإعلامية، بل قامت بتعيين بعض الفنانين والفنانات مستشارين في قضايا سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، وكأن الأمة قد عقمت عن إنجاب العلماء والمفكرين وأهل الخبرة والرأي.
إن هذه الظاهرة ليست مجرد حدث عابر، بل هي مؤشر خطير على اختلال المعايير وانقلاب الموازين، حين يصبح صاحب الشهرة مقدَّماً على صاحب العلم، ويصبح أهل اللهو والرقص والغناء مرجعاً في قضايا الأمة المصيرية، بينما يُهمَّش العلماء والمفكرون والمخلصون. وهذه القضية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «تأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». وهذا الحديث من أعلام النبوة العظيمة، إذ وصف بدقة ما تعيشه الأمة اليوم من انقلاب في الموازين، حتى صار التافه نجماً، والعالِم غريباً، وصار الناس يستمعون إلى راقص أو ممثل في قضايا الحرب والسياسة أكثر مما يستمعون إلى أهل الاختصاص.
ولا شك أن المقصود بالرويبضة ليس مجرد الفقير أو البسيط أو صاحب المهنة المتواضعة، فالإسلام كرَّم الإنسان بعمله مهما كان، وإنما المقصود هو التافه الذي لا علم له ولا حكمة ولا أمانة، ثم يتصدر للحديث في شؤون الأمة الكبرى. ولذلك فإن الحديث ينطبق على كل من اقتحم ميادين السياسة والدين والاقتصاد والعلاقات الدولية بغير علم ولا تأهيل، ثم صار يوجّه الجماهير ويؤثر في الرأي العام اعتماداً على شهرته الفنية أو الإعلامية فقط.
لقد حذَّر القرآن الكريم من تقديم غير الأكفاء ومن اتباع أهل الجهل والهوى، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ففي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن القضايا العامة الكبرى لا يتحدث فيها كل أحد، بل تُرد إلى أهل العلم والخبرة والاستنباط. أما أن يصبح الممثل أو الراقصة أو صاحب البرامج الهابطة مرجعاً في مصير الأوطان، فذلك من علامات الانهيار الفكري والحضاري.
كما يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي لا تتبع ولا تتحدث فيما لا علم لك به. فكيف بمن يتحدث في أمور الحرب والاقتصاد والدين والسياسة الدولية وهو لم يدرس هذه العلوم، ولم يعرف عنه إلا التمثيل أو الرقص أو إثارة الغرائز؟ إن هذا التجرؤ على قضايا الأمة هو صورة من صور الفوضى الفكرية التي أصابت مجتمعاتنا.
ولقد أدرك أعداء الأمة منذ زمن بعيد أن السيطرة على الشعوب لا تكون بالسلاح وحده، بل بإفساد الوعي وتحويل القدوات من العلماء والمصلحين إلى المغنين والممثلين وأصحاب التفاهة. فحين يُصنع النجم التافه، ويُمنح المنابر، وتُسلط عليه الكاميرات، يصبح قادراً على التأثير في عقول الملايين، حتى لو كان فارغاً من العلم والثقافة. ولذلك نجد اليوم أن كثيراً من الشباب يعرفون أخبار الفنانين أكثر مما يعرفون تاريخ أمتهم أو قضايا دينهم أو أسماء علمائهم.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تقف عند حدود الفن، بل تمتد إلى تشكيل الرأي العام والتأثير في القرارات السياسية والاجتماعية. فبعض الفنانين صاروا يتحدثون باسم الإسلام، ويفتون في قضايا شرعية، ويهاجمون العلماء، ويحددون للناس ما ينبغي أن يؤمنوا به وما ينبغي أن يرفضوه. وبعضهم صار يتحدث في قضايا الجيوش والحروب والعلاقات الدولية وكأنه خبير استراتيجي. بل إن بعض الأنظمة العربية تستخدم هؤلاء المشاهير لتوجيه الشعوب وصناعة رأي عام يخدم مصالحها، لأن الفنان المشهور يملك قدرة هائلة على التأثير في الجماهير، خاصة في زمن الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
ومن المؤلم أن بعض الفنانين الذين كانت أعمالهم سبباً في نشر الرذيلة والانحلال الأخلاقي، صاروا اليوم يتحدثون عن الفضيلة والدين والوطنية، وكأن التاريخ قد مُسح فجأة. إن الإنسان قد يتوب ويعود إلى الله، والتوبة بابها مفتوح لكل أحد، لكن المشكلة ليست في التوبة، وإنما في تصدير غير المؤهلين للحديث في قضايا الأمة الكبرى، وتحويلهم إلى مرجعيات فكرية وسياسية ودينية.
لقد ربط القرآن الكريم بين فساد الأمم وفساد القيادات الفكرية والإعلامية، فقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، فحين يتصدر المشهد أصحاب المصالح والشهوات والتفاهة، تضيع القيم ويُضلَّل الناس. كما أن القرآن ذمَّ الذين يصدون عن سبيل الله ويزينون الباطل للناس، والفن الهابط حين يتحول إلى أداة لتدمير الأخلاق والعقول فإنه يدخل في دائرة الإفساد المجتمعي.
إن من أخطر آثار هذه الظاهرة تهميش أهل العلم الحقيقيين. ففي الوقت الذي يُمنح فيه الفنان أو الراقصة ساعات طويلة على الشاشات، يُقصى العلماء والمفكرون والمربون. وفي الوقت الذي يُحتفى فيه بممثل بسبب تصريح سياسي فارغ، يُهمَّش الباحثون وأصحاب الخبرة والرؤية. وهذا من قلب الموازين الذي حذر منه الإسلام.
وقد عرف التاريخ الإسلامي قيمة التخصص والكفاءة، فلم يكن أحد يتكلم في أمور العامة إلا إذا كان مؤهلاً لذلك. وكان العلماء يهابون الفتوى والكلام في قضايا الأمة، بينما نجد اليوم من يتحدث في كل شيء بلا علم ولا ورع. وهذه الجرأة هي جزء من ثقافة العصر الاستهلاكي الذي يصنع النجوم من الفراغ، ويمنح الشهرة لمن يثير الجدل ولو كان جاهلاً.
إن بعض وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبرى في صناعة “الرويبضة”، لأنها تقدم التافهين بوصفهم نخباً ثقافية وسياسية. كما أن بعض الجماهير تتحمل جزءاً من المسؤولية حين تجعل من الفنان قدوة مطلقة، فتأخذ آراءه في السياسة والدين وكأنها حقائق مقدسة. إن الشهرة لا تعني العلم، والتمثيل لا يمنح الإنسان حكمة سياسية، والرقص لا يؤهل صاحبه لتحليل قضايا الجيوش والاقتصاد.
وقد حذر الإسلام من اتباع الظن والهوى، فقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، لأن المجتمعات التي تُقاد بالعواطف والإعلام المضلل تفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل. وحين تصبح الجماهير أسيرة للمشاهير، يسهل التلاعب بها وتوجيهها وفق مصالح سياسية أو اقتصادية معينة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن الفن ليس كله شراً، فهناك فن راقٍ يحمل رسالة نبيلة، وهناك فنانون محترمون يمتلكون ثقافة ووعياً، وربما تخصص بعضهم في مجالات فكرية أو إنسانية جعلته قادراً على إبداء رأي محترم. لكن المشكلة في تحويل الشهرة وحدها إلى مصدر للشرعية الفكرية والسياسية، وفي تقديم أصحاب الأعمال الهابطة بوصفهم قادة للرأي العام.
كما ينبغي التفريق بين حق أي مواطن في التعبير عن رأيه السياسي، وبين تحويل غير المختص إلى مرجعية للأمة. فالإسلام لا يمنع الإنسان من إبداء رأيه، لكنه يرفض الفوضى الفكرية وتقديم الجاهلين على أهل العلم. ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالأصل أن تُرد القضايا إلى المختصين وأهل الخبرة.
إن تعيين بعض الفنانين والفنانات مستشارين سياسيين أو اجتماعيين يكشف حجم الأزمة التي تعيشها بعض الأنظمة، إذ تتحول الدولة أحياناً إلى مسرح للعلاقات الإعلامية والدعاية، بدلاً من أن تكون مؤسسة تقوم على الكفاءة والعلم والخبرة. وقد رأينا في عالمنا العربي كيف صار بعض الفنانين يتدخلون في شؤون الحروب والتحالفات الدولية والسياسات الاقتصادية وكأنهم خبراء استراتيجيون، بينما هم في الحقيقة يكررون ما يُملى عليهم أو ما يحقق لهم مزيداً من الشهرة والمصالح.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن هذه الظاهرة تخلق جيلاً مضطرب المعايير، يرى أن النجاح الحقيقي هو الشهرة لا العلم، وأن الطريق إلى التأثير يمر عبر الإثارة الإعلامية لا عبر الاجتهاد والمعرفة. وهذا يؤدي إلى إضعاف قيمة التعليم والبحث العلمي، ويجعل الأمة أكثر عرضة للسطحية والانقياد وراء العواطف.
إن الأمة التي تتقدم هي الأمة التي تحترم التخصص وتقدّر العلماء والخبراء والمفكرين، لا الأمة التي تجعل مصيرها بيد المشاهير وأصحاب التفاهة. ولذلك فإن علاج هذه الظاهرة يبدأ بإصلاح الإعلام، وإعادة الاعتبار للعلم والثقافة الجادة، وتربية الأجيال على التفكير النقدي وعدم الانخداع ببريق الشهرة.
كما أن على العلماء والمثقفين والمربين أن يؤدوا دورهم في توعية الناس بخطورة صناعة “الرويبضة”، وأن يبينوا أن قيمة الإنسان ليست بعدد متابعيه أو شهرته، بل بعلمه وأخلاقه وخدمته الحقيقية للمجتمع. وينبغي أيضاً أن يُربى الشباب على احترام التخصص، فلا يؤخذ الدين من الممثلين، ولا السياسة من الراقصات، ولا الاقتصاد من مشاهير الإعلانات، بل تُؤخذ المعرفة من أهلها الحقيقيين.
وفي النهاية، فإن حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الرويبضة يبدو اليوم وكأنه وصف دقيق لزمننا المعاصر، حيث اختلطت الأصوات، وضاعت المعايير، وصار التافهون يتحدثون في مصائر الشعوب والأمم. وليس المقصود احتقار الناس أو مصادرة حقهم في التعبير، وإنما التحذير من تصدر الجهال والتافهين لشؤون العامة، لأن ذلك يؤدي إلى ضياع الوعي وانهيار القيم واختلال الموازين.
إن الأمة التي تجعل قدوتها العلماء والمصلحين والمفكرين أمة قادرة على النهوض، أما الأمة التي تسلم عقلها لأصحاب التفاهة والشهرة الزائفة فإنها تفتح أبواب الانحدار الحضاري على نفسها. ولذلك فإن العودة إلى منهج القرآن والسنة في احترام العلم والكفاءة والتخصص هي الطريق الحقيقي لإنقاذ المجتمعات من فوضى الرويبضة، ومن هيمنة التفاهة على العقول والوجدان.

▪︎بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
٢٧ مايو ٢٠٢٦م.
المفرق – الأردن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى