
في الأزقة الضيقة لمدن المغرب وأحيائها الشعبية، وعلى أرصفة المقاهي المكتظة بالشباب، يهمس حلم واحد يتكرر: الرحيل. لم يعد الحلم الأوروبي مجرد رغبة في تحسين المستوى المعيشي، بل أصبح مهربًا من واقع يزداد ضيقًا وقسوة، تهيمن عليه البطالة، الإحباط الاجتماعي، وشعور عميق بالتهميش واللا جدوى.
تشير الأرقام الرسمية إلى نسب بطالة مرتفعة في صفوف الشباب، خاصة خريجي الجامعات، في ظل محدودية فرص الشغل، وضعف برامج الإدماج الاقتصادي، وتعقيد المساطر الإدارية أمام المبادرات الفردية. وفي المقابل، يعيش كثيرون شعورًا متزايدًا بأن النظام لا يُصغي، وأن صوتهم لا يُسمع، مما يغذي شعورًا عامًا باللامساواة وانعدام العدالة الاجتماعية.
يقول الشاب ياسين (27 عامًا)، خريج كلية الحقوق بمدينة فاس:
“عندي شهادة، وعندي طموح، لكن لا أحد يعترف بي. مرّ عليّ أكثر من ثلاث سنوات أبحث عن عمل دون جدوى. في النهاية، قررت الهجرة.. حتى لو كان الثمن هو ركوب قارب موت”.
لم تعد الهجرة فقط عبر قوارب الموت أو تسلق الأسوار السلكية، بل اتخذت أشكالًا جديدة في السنوات الأخيرة، أبرزها “الهجرة القانونية المؤقتة” مثل برامج الدراسة والتكوين، أو العمل الموسمي، وحتى عبر بعض تأشيرات البحث عن عمل التي تقدمها دول أوروبية مثل ألمانيا أو إسبانيا.
كما برزت فئة من الشباب تستغل المهارات الرقمية في البرمجة، التصميم، أو التجارة الإلكترونية، لتخلق لأنفسها ممرات “غير رسمية” للهجرة، ليس بالضرورة الجغرافية، بل الاقتصادية والاجتماعية. لكن هذه الفئة تظل محدودة مقارنةً مع جموع الشباب الذين لا يملكون لا الوسيلة ولا المهارة لمثل هذه الهجرة “الناعمة”.
في المخيال الجمعي للشباب المغربي، تُقدَّم أوروبا كفردوس بديل، حيث العدالة الاجتماعية مضمونة، والكرامة محفوظة، والفرص متاحة لمن يجتهد. ورغم ما يواجهه المهاجرون من صعوبات، فإنهم في نظر من بقوا، “أحسن حالًا ممن علقوا في حلقة الانتظار داخل المغرب”.
يؤكد الباحث في علم الاجتماع، الدكتور خالد بنسعيد، أن “الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل في استعادة الثقةبين الشباب ومؤسسات الدولة. الشاب المغربي لا يبحث فقط عن المال، بل عن الاعتراف، عن الإحساس بقيمته داخل وطنه”.
لمواجهة هذا النزيف الصامت، تحتاج السياسات العمومية إلى تحول جذري في مقاربتها لقضايا الشباب. توفير فرص الشغل وحده لا يكفي، بل لا بد من ضمان فضاءات تعبير حرة، ومشاركة سياسية حقيقية، وعدالة اجتماعية تضمن التوزيع العادل للثروة والفرص.
إن مغادرة الوطن لم تعد مجرد خيار فردي، بل أصبحت صرخة جماعية تطالب بواقع أفضل، وعدالة أوسع، وكرامة مضمونة. فإما أن يستجيب الوطن، أو يستمر النزيف.





