
بقلم:نعمت مصطفى
هناك عمرٌ لا يخيفنا لأننا نكبر فيه، بل لأننا نبدأ في اكتشاف أشياء لم نكن نريد أن نعرفها عن أنفسنا.
نكتشف أن الجسد الذي حملنا سنوات طويلة، وركض بنا خلف الأحلام، واحتمل المرض والسهر والقلق، له حق علينا أيضًا… وأنه في لحظة ما سيطلب منا أن نخفف عنه، وأن نتوقف قليلًا عن معاملته كأنه لا يتعب.
لذلك ليست التجاعيد ما يخيف.
التجاعيد مجرد ذاكرة ظاهرة على الوجه؛ ضحكة قديمة، دمعة أخفيت، أيام صعبة عبرناها، وأحلام لم تكتمل ثم واصلنا الطريق.
والشيب ليس هزيمة…
إنه لون الأيام حين تستقر فوق الرأس.
أما الشيخوخة الحقيقية، في رأيي، فلا تبدأ حين يضعف الجسد، وإنما حين يشعر الإنسان أنه لم يعد صاحب حياته.
أن يحتاج إلى من يقرر عنه، لا من يساعده.
أن يصبح وجوده مرتبطًا بوقت الآخرين، وحركته مرهونة بتفرغهم، ورغباته مؤجلة حتى يأتي من يستطيع تنفيذها.
هنا يصبح العمر موجعًا.
فالإنسان لا يريد أن يعيش طويلًا لمجرد أن يضيف سنوات إلى عمره؛ يريد أن يشعر أن السنوات ما زالت تخصه.
يريد أن يختار فنجان قهوته، وموعد نومه، ومكان جلوسه، وأن يفتح نافذته حين يريد، وأن يخرج حين يستطيع، وأن يحتفظ ببعض أسراره وقراراته ومساحته الخاصة.
قد يحتاج إلى يدٍ تسنده، لكنه لا يريد أن تتحول اليد التي تسنده إلى يدٍ تقوده في كل شيء.
وهنا تكمن فلسفة الشيخوخة الجميلة:
أن نتعلم كيف نقبل المساعدة دون أن نشعر أننا فقدنا كرامتنا، وأن نتعلم كيف نساعد من نحب دون أن نسلبهم استقلالهم.
فكبير السن ليس طفلًا كبر في السن.
إنه إنسان عاش عمرًا كاملًا، صنع قراراته، أخطأ وأصاب، أحب وفقد، حمل مسؤوليات، وربما حمل آخرين على كتفيه حين كانوا أضعف منه.
فإذا ارتجفت يده يومًا، فلا تنسوا اليد التي أمسكت بأيديكم.
وإذا أبطأت خطواته، فتذكروا كم مرة انتظر خطواتكم البطيئة ولم يتبرم.
وإذا أصبح كثير الاحتياج، فلا تجعلوه يشعر أنه أصبح عبئًا؛ لأن أقسى ما يمكن أن يشعر به الإنسان في آخر عمره ليس الألم…
بل أن يخجل من احتياجه لمن يحب.
والأجمل أن نفهم أن الكرامة لا تعني أن نرفض الآخرين، ولا أن نخجل من ضعفنا.
الكرامة أن تبقى لنا مساحة من الاختيار، وأن تُمد إلينا اليد بحب لا بشفقة، وأن يُحترم رأينا حتى حين لا تعود أجسادنا قادرة على تنفيذ كل ما نريد.
فالشيخوخة ليست سقوطًا من الحياة…
إنها مرحلة أخرى من فهمها.
في الشباب نظن أن القوة هي أن نفعل كل شيء وحدنا، ثم نكبر فنفهم أن القوة أحيانًا أن تعرف متى تستند، ومتى تقبل يدًا محبة، ومتى تقول: «لم أعد أستطيع» دون أن تشعر أنك فقدت قيمتك.
نحن لا نحتاج أن نهزم العمر.
نحتاج فقط أن نصالحه.
أن ننظر إلى وجوهنا التي تغيرت ونقول:
لم تخذلني هذه السنوات… لقد صنعتني.
وإذا جاء يومٌ أثقل فيه الجسد، فليكن في الروح متسع للرضا، وفي القلب نافذة مفتوحة على الحياة، وفي المحيطين بنا رحمة تحفظ للإنسان حقه في أن يبقى هو… حتى آخر الطريق.
فليست أمنيتنا أن نعيش إلى الأبد.
أمنيتنا أبسط وأعمق:
أن يطول بنا العمر دون أن تضيع منا أنفسنا… وأن نصل إلى آخر الطريق بكرامة، ورضا، وقلبٍ لم يتوقف عن الحياة.
✍️ نعمت مصطفى





