
امحمد الهلالي
على امتداد ما يناهز قرنا تقريبا ظل راشد الغنوشي التحدي يمثل الأبرز للسلطة وحاضنتها في النخب المخملية في الثقافة والثروة والإعلام داخل تونس وخارجها.
لم تكن قوة راشد الغنوشي تنحصر في قدرته على التنظير وامتلاك مشرط تفكيك السرديات المتتالية التي تركب عليها السلطوية مبرراتها المتهالكة لتخذير الشارع وترويض النخب فقط، وإنما مصدر قوته الأساسية تكمن في نفسه الطويل في الصمود أمام التحديات وفي مطاولة النموذج اليعقوبي في الدولة وتركز السلطة واحتكار الثروة من قبل نخب الاستقلال المغشوش التي استأمنها المستعمر على مصالحه بعد رحيله.
والنموذج اليعقوبي الذي يقارعه الغنوشي هو لفيف من الطغاة والبغاة والغلاة ممن يتسيدون على شعوبهم بالبطش والترهيب وبالإفراط في استعمال القوة وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات واحتكار الثروات بين حفنة من الأغنياء ومن يضعون أنفسهم رهن الإشارة في خدمة السدنة لقاء الفتات.
والشيخ راشد الغنوشي رابط منذ شبابه على تخوم الوعي مؤلفا ومناقشا ومحاورا ومناظرا يحرس حدود العقل ضد التجهيل وضد الجمود وضد التبعية والتقليد بنوعيه القديم والحديث ويواجه الاختراق القيمي والاستلاب الثقافي ويحمي حوزة الهوية ضد آلة التفكيك ويرافع عن نموذج معرفي متنوع في مصادره يزاوج بين الجذور الشرعية والآفاق الإنسانية والجامع بين مطلقات الوحي وحكمة التجربة الإنسانية والقيم الكونية المنفتحة.
ولم يقتصر تفوقه على أترابه من النخب المؤدلجة في قراءاته الفلسفية والشرعية وحسب، ولكن في منازلتهم في مناقشة القضايا المعاصرة ذات الصلة بالفقه الإسلامي والفكر الإنساني على السواء حيث قدم أطروحات في الحريات العامة وفي حقوق الإنسان وتحرير المرأة وفي مقاربته للعلمانية والمجتمع المدني وفي العلاقة بين الدين والدولة والدعوة والسياسة والفكر والتنظيم.
وناقش بعقل منفتح كل تيارات الفكر عن يمينه وعن شماله وقارع اليساريين والليبراليين في أطاريحهم.
لكنه لم يستطع مجاراتهم سوى في ميدان واحد هو ميدان التحريض على التقاتل الأهلي ونشر الكراهية ونصب الأكمنة والفخاخ لإسقاط الخصوم عند العجز عن منافستهم بالوسائل الديموقراطية.
لقد ظل الشيخ راشد الغنوشي صخرة صامدة وقامة شامخة في وجه الاستبداد بكل صيغه والتلوينات التي يتلون بها حسب كل مرحلة.
فصمد أمام الحكم الفردي المطلق الذي تحول إلى نمط حكم ملكي بجوهر ملكي وشكل وأدوات جمهورية، واستعصى على الاستبداد الإيديولوجي العلماني المنسلخ، الذي سعى بكل الوسائل إلى تفكيك الثوابت الجامعة لتونس وحاول تخريب هويتها الحضارية بمبرر التحديث القسري والفوقي ووصل به الأمر إلى محاولة اجتثاث الدين ومحاربة التدين عبر مشروع تجفيف المنابع.
وقد قاوم الأستاذ راشد الغنوشي وبقية خريجي القيروان والزيتونة كل هذه المحاولات والمشاريع وأبطلوا سردية التحديث والعصرنة وكشفوا الخلفية العلمانية المتطرفة والإيديولوجية التخريبية التي لقحها الاستعمار في أنابيب التخصيب الاصطناعي ورعى نبتتها المهدرجة لكي يفوت إليها مقاليد السلطة والنفوذ ومصادر الثروة ومنابع صناعة الوعي وإنتاج السرديات المؤثرة من فن ومسرح وسينما وإعلام.
وهكذا ظل الحكم التونسي معزولا ومحاطا بنخبة انتفاعية وانتهازية ومؤدلجة إلى أن سقط بمفاعيل مباشرة للربيع العربي لكن بعد أن تم تجفيف عروقه وإصابة الشرايين التي تغذيه بانسدادات مزمنة من خلال الفعل المقاوم والمستدام الذي قاده الغنوشي وصحبه وإخوانه وأولو بقية الديموقراطيين الذين ينهون عن الفساد ويقاومون الاستبداد ويسقون شجرة الحرية من دمائهم ودموع ذويهم.
لقد نجح الشيخ راشد الغنوشي في أن يحول كل الهجومات ضده إلى دعاية لصالحه وإشعاع لفكره واستطاع أن يجعل كل حكم بالإعدام أو المؤبد يصدر في حقه بمثابة وسام للحرية يزين به صدره وقلادة عز على صدره وتذكار فخار يزين به نصب الحرية المنصوب في أفئدة تلامذته وأنصاره قبل أن ينصب في باحات الشوارع الرئيسية وفضاءات الساحات العامة في عاصمة تونس ومدنها المختلفة.
وبعد أن ذهب المستبد الأول وهرب الديكتاتور الثاني بقي الغنوشي منتصب الهامة مرفوعة القامة ترتعد فرائس جلاديه والسدنة من مضطهديه والأزلام الذين كانوا يكيدون له ويتآمرون عليه خلال العهود البائدة إلى أن سقطوا جميعا وأناخوا بعتبة داره يطلبون وده ويتوسلون مسامحته ويرجون العفو منه.
وقد انتصر الغنوشي عليهم مرة أخرى بإشهار ابتسامة المنتصر وعفو المقتدر عندما كانوا ينتظرون سيف الانتقام وحكم القصاص.
لكن الغنوشي أثبت لهم مرة أخرى أن قاموس الحرية لا يتضمن مرادفات للبغض والانتقام والضغينة وأنه في مذهب الدعوة وفكر الأمة رحمة الدعوة تعد أمضى من سيف الدولة وأن في الفكر والثقافة والتربية لا مجال للانتقام والضغينة والأحقاد. وأن مقولة أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن في حقيقتها القرآنية تؤكد أن الأهمية لما يزعه القرآن لأنه أعمق ولأنه اختياري وطوعي، وأن ما يزعه السلطان يظل سطحيا وشكليا وأن إزالته لا تكون إلا مؤقتة وغير نهائية ولأنها تتم بالإكراه وبالقسر دون أن تمتزج من الوجدان ومن القلوب وأن اختفت من السطح وفي المظهر الخارجي.
ويا فرحتهم لم تتم وهم يخالونه ضعيفا طامعا في تحصين موقعه في السلطة ونفوذه المكتسب بالتضحيات الطويلة وبإنجازات الثورة الهادرة فعادوا إلى شركهم القديم وبدأوا يناصبوه العداء وينصبون له الفخاخ ويحرضون عليه ويتفننون في صناعة الاتهامات وفبركة الملفات، وظل ينتصر على جميع مناوراتهم بالوسائل الديموقراطية والقيم الأخلاقية والحكمة السياسية، وعندما أتعبهم بصبره وصموده استعجلوا رحيله وزجوا به في السجون عن طريق إخراج رث ومتسخ لنسخة من نسخ الاستبداد المتسربل بالشعبوية والبلاهة وذلك بالدفع برجل من رجالات العهد البائد المشكوك في قدراتهم العقلية إلى واجهة الحكم والإمساك بالسلطة من الخلف من خلال النواة الصلبة لبنية التحكم والفساد وعاد حكم الغرف المغلقة ليحيك المؤامرات ولصناعة الأزمات وعادت معه الماكينة الإيديولوجية والإعلامية ذاتها لتقوم بالدور نفسه كما خطط له.
بيد أنهم في هذه المرة وجدوا رجلا راكم رصيدا طويلا في المعارضة وتمرس على جلد المنافي وصبر السجون وأذى التشهير، ووجدوا مع كل ذلك خبرة متراكمة في تدبير المناورات في دهاليز الحكم ومقارعة ديناصورات الاستبداد وفيلة الاستئصال والشعبوية وكلهم يتآمرون ويتعاضدون من أجل هدف واحد هو إسقاط التجربة الديموقراطية الأولى وإجهاض ميلاد الجمهورية الحقة منذ الاستقلال والقضاء على نبتة تونس الحقيقية التي نبتت في تربتها المباركة.
لقد تحول راشد الغنوشي إلى أيقونة مقاومة الشعبوية بعد نجاحه في إسقاط حكم الفرد المتأله وبعد المراحل المعتبرة التي أنجزها على طريق تفكيك بنى الاستبداد الصلبة والناعمة المسنودة من الخارج والمدعمة من مافيات المصالح وميليشيات الإيديولوجيات البائدة.
والمقاومة التي يقودها الغنوشي اليوم بشكل رمزي وفعال هي مقاومة الزنازين الرطبة ومقاومة إضراب الجوع من على سرير المستشفى وهو في سن متقدم لم يعد لديه ما يفقده فيه سوى تونس التي لا يريد أن يتركها سليبة أو مفترسة أو مريضة.
إن الاستبداد الذي يقاومه راشد الغنوشي لم يعد محليا ومعزولا داخل جغرافية تونس فقط، ولكنه يطاول نموذجا من الاستبداد الذي ترعاه الثورة المضادة وتحميه الإمبريالية الغربية وترعاه الصهيونية الدينية المتطرفة ولذلك فهو يقاوم دول الخليج المتآمرة والخائفة على عروشها من نسمة الحرية ودول الغرب المتوجسة والخائفة من ضياع إرثها الاستعماري وانتهاء مصالحها في محمياتها السابقة والمرتعبة من ماضي الإسلام والمسلمين.
إن ما يجري اليوم لا يؤذن بسقوط الاستبداد الشعبوي البغيض في تونس وحدها وإنما يؤشر على سقوط كل الأحبال السرية التي تغذيه في معسكر الثورة المضادة في الخليج وإماراتها الفاسدة وفي كامل المنظومة العسكرية الحاكمة في جوار تونس القريب غربا وشرقا وذلك خوفا من عودة الشارع التونسي لأداء دوره الملهم للشعوب والقيام بوظيفته البيداغوجية في تقديم الدليل العملي والكاتالوك المسهم في إنجاح الثورات بدون دماء وبكلفة أقل في الأرواح والممتلكات.
لقد انتزع الشيخ راشد الغنوشي وصحبه اعتراف التونسيين بمن فيهم من انخدعوا بشعارات الشعبوية ومن سقطوا ضحية الحشد والشحن والشيطنة وتزيين الانقلاب على أنه تصحيح مسار بقوة التخذير الإعلامي والتحشيد الإيديولوجي ممن تشاركوا الافتراس مع الذئب وتقاسموا البكاء والعويل مع الراعي.
لأجل كل هذا لا يملك كل حر يتطلع إلى غد مشرق ينعم بالحرية والكرامة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والإنصاف المحلي إلا أن يوجه تحية الإجلال والإكبار لهذا الشيخ الصبور الملهم الذي ألّف الكتب وأعد الرجال والنساء وزاوج بين التنظير والممارسة والمعرفة والثقافة والحكمة وبين التفكير والتخطيط والتدبير.
لهذا الرجل يقف كل الأحرار تحية وتضامنا لأننا جميعا مدينون له إما بالتلمذة في محراب العلم والثقافة أو بالاستفادة من معين أفكاره الذي لا ينضب ومن القيم الخالدة التي يشيعها أو مستلهمين من نضاله وصبره وحلمه سواء في المعارضة أو في الحكم.
فتحية إجلال وإكبار للشيخ راشد الغنوشي مفكرا وعالما ورجل دولة والخزي والعار لكل جلاديه وشانئيه. وكل التضامن مع أسرته وأحبابه ومناضلي حركته المعطاء.
ولتعش تونس مهد الثورة ومنبع الإلهام علما وعملا والخزي والعار لقيس سعيد ولمن يقف وراءه وللنخب الفاسدة والمستأجرة التي تحيط.




