24 ساعةالواجهةمجرد رأي

الصحافة مهنة الضمير والقيم لا مهنة البطاقات

الصحافة مهنة الضمير والقيم لا مهنة البطاقات

لم تكن الصحافة يومًا رهينة بطاقة، ولا كانت جودة العمل الصحافي تقاس بورقة إدارية أو ختم رسمي، فالصحافة، في جوهرها، رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صفة قانونية، هي نزاهة في نقل الخبر، وشفافية في عرض الحقيقة، وشجاعة في مساءلة الواقع دون تزييف أو انتقائية.

لقد عرف التاريخ صحافيين كبارًا لم يحملوا بطاقات رسمية، لكنهم حملوا ضمائر حيّة وأقلامًا صادقة، فكان أثرهم أعمق من أي ترخيص، وصوتهم أقوى من أي اعتماد، وفي المقابل، لم تشفع البطاقات لبعض من أساؤوا للمهنة، فشوّهوا الحقيقة، وخلطوا الرأي بالخبر، وخضعوا لمنطق المصالح والولاءات.

إن اختزال الصحافة في بطاقة مهنية هو اختزال مخلّ لمعناها الحقيقي، فالمهنية لا تمنح بالوثائق، بل تُكتسب بالالتزام بأخلاقيات المهنة: التحقق من المصادر، احترام حق الرد، الفصل بين الإعلان والتحرير، والحرص على المصلحة العامة، أما النزاهة فلا تصدرها هيئة، ولا تمنحها مؤسسة، بل تنبع من وعي الصحافي بدوره ومسؤوليته تجاه المجتمع.

في زمن تتكاثر فيه المنصات وتتشابك فيه الأصوات، تصبح الحاجة إلى صحافة مسؤولة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، صحافة لا تلهث وراء الإثارة، ولا تستسلم للشائعات، ولا تختبئ خلف صفة شكلية، بل تواجه الواقع بالحقيقة، وتدافع عن حق المواطن في المعرفة.

فالصحافة ليست بطاقة تُعلّق على الصدر، بل موقف يُتخذ، وقيم تُمارس، وضمير لا يقبل المساومة، ومن دون النزاهة والشفافية، تفقد الصحافة معناها، مهما كثرت الأختام وتعددت الأوراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى