24 ساعةأحزابأخبار وطنيةالواجهةحقوق الإنسانصحةعالم السياسة

الصحة بين قدسية الحق وابتذال السوق : صرخة في وجه تشريع يُشرعن الألم

بقلم : عزيز الدروش

ليست الصحة امتيازاً يُمنح، ولا خدمة تُسوَّق، ولا سلعة تُعرض في بورصة الأرباح. الصحة حقٌّ أصيل من حقوق الإنسان، وركنٌ من أركان الكرامة التي قال فيها الله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء: 70). فكيف يُختزل هذا التكريم في بطاقة أداء، أو شيك ضمان، أو تحويل بنكي؟ وكيف يتحول جسد المريض إلى فرصة استثمار، وألمه إلى رقم في جدول الأرباح؟
لقد نصّ دستور المغرب على الحق في العلاج والرعاية الصحية، وأقرّ بأن الدولة مسؤولة عن ضمان الولوج العادل إلى الخدمات الصحية. لكن الواقع يُكذّب النصوص، ويعرّي الشعارات، ويكشف أن المشرّع المغربي فتح الباب واسعاً أمام منطق السوق ليتسلل إلى قطاع يُفترض أن تحكمه الرحمة قبل الربح، والواجب قبل المصلحة.
حين يُسمّى بناء المصحات الخاصة “استثماراً”، وتُمنح التسهيلات والامتيازات الضريبية لرؤوس الأموال في قطاع الصحة، بينما تُترك المستشفيات العمومية تعاني خصاصاً في الأطر والتجهيزات، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام إعادة توزيع للمعاناة. الفقير ينتظر شهوراً لإجراء فحص بسيط في مستشفى عمومي، بينما تُفتح أبواب المصحات الخاصة لمن يملك القدرة على الدفع. أليس هذا شكلاً من أشكال الظلم الذي حرّمه الله حين قال: “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ” (النحل: 90)؟
إن الاستثمار في الصحة، حين يتحول إلى منطق تجاري صرف، يُفرغ المهنة من رسالتها الأخلاقية. فالطبيب في جوهر رسالته مُنقذ حياة، لا محصّل فواتير. والمستشفى ينبغي أن يكون ملاذاً آمناً، لا مؤسسة ربحية تُقاس نجاعتها بحجم العائدات. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لا يَرحم لا يُرحم”. فأين الرحمة في نظام يُرغم المريض على الاقتراض ليُجري عملية جراحية؟ وأين العدالة في فواتير علاج تتجاوز الحد الأدنى للأجور مرات عديدة؟
لسنا ضد التطوير، ولسنا ضد تحديث المنظومة الصحية، ولسنا ضد تحسين أجور الأطباء وتحفيز الكفاءات. لكننا ضد تحويل الحق إلى سلعة، وضد تشريع يُقنن الفوارق، ويُشرعن التمييز بين مغربي يملك ومغربي لا يملك. إن المشرّع الذي يسن قوانين تفتح الباب أمام المضاربة في آلام الناس، إنما يتحمل مسؤولية أخلاقية وتاريخية أمام الله وأمام الشعب.
إن الإرادة السياسية الحقيقية لإصلاح قطاع الصحة لا تبدأ بتشجيع الاستثمار الخاص، بل بإعادة الاعتبار للمرفق العمومي، وبضخ ميزانيات كافية، وبمحاربة الفساد في الصفقات، وبضمان توزيع عادل للأطر الطبية بين المدن والقرى. تبدأ بإعلان واضح: صحة المواطن ليست مجالاً للمضاربة، ولا مجالاً لتراكم الثروات.
إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية في التشريع، تُعيد تعريف الصحة كخدمة عمومية سيادية، وتضع حداً لكل نص قانوني يجعل من الألم فرصة استثمار. فالمريض ليس زبوناً، والمستشفى ليس سوقاً، والكرامة لا تُشترى.
وإن التاريخ لا يرحم. سيُسجل من وقف مع المستضعفين، كما سيُسجل من صمت أو شرّع أو بارك. والله سبحانه يقول: “وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ” (إبراهيم: 42).
فليتقِ الله المشرّعون، وليعلموا أن القوانين التي تُبنى على منطق الربح في قطاع الصحة، قد تُدرّ مالاً في الدنيا، لكنها تزرع سؤالاً ثقيلاً في الآخرة: لماذا تُرك المريض وحيداً بين ألم المرض وقسوة.

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى