الواجهةمجرد رأي

*الصيام.. من سكينة التعبد إلى آفاق السيادة الحضارية*

*خالد أبو عطاء*

إن الصيام في جوهره *مدرسة ربانية جامعة،* لا تقف حدودها عند تهذيب النفس، بل تمتد لتصوغ *وعي الأمة، وتبني كيانها الاقتصادي، وترسم معالم قوتها الحضارية* .
*-1-*على صعيد الفرد: تحرير الإرادة وكسر وهم الضرورة*
يمثل الصيام تجربة عملية في تفكيك وهم الضرورة؛ فحين يمسك المسلم عن الطعام والشراب -وهما عماد الحياة- يتيقين أن كثيرا من الحاجات التي يظنها ضرورية لا يستغنى عنها، ليست إلا عادات نفسية ألفتها شهوة النفس، أو ضغوطا ثقافية فرضها نمط الاستهلاك المعاصر، ما يجعل من الصيام مرانا يوميا على ضبط الرغبة، وكسر سلطان الاستهلاك، وإعادة ترتيب سلم الأولويات؛ وبذلك يتحول الاستغناء من حرمان مؤقت إلى سيادة دائمة على النفس، فمن لا يملك زمام نفسه، لا يملك استقلال قراره.
*- 2-على صعيد المجتمع : ترشيد الوعي وزرع قيم الكفاية*
تتجلى بركة الصيام مجتمعيا في كبح جماح النزعة الاستهلاكية الجماعية. فالمجتمعات التي ترهن وجودها بتضخم الاحتياجات المادية تظل رهينة للأسواق، بينما تملك المجتمعات التي تؤسس اقتصادها على مبدإ *الكفاية* مفاتح القوة.
إن الصيام يغرس في ضمير الجماعة قيمة القناعة بدلا من الإسراف، والإنتاج بدلا من الاستهلاك ، لينتقل الوعي الجمعي من حال *الاستهلاك المرضي* إلى أفق *الاكتفاء بما يسد الحاجة، وننتج ما يحقق العزة*”.
*-3-على الصعيد الحضاري والاستراتيجي: الاستغناء سلاحا للردع*
الصيام فرصة استراتيجية لجعل الاستغناء سلاحا اقتصاديا في معارك الأمة الوجودية. ففي عالم تحكمه لغة المصالح، يغدو الاعتماد المفرط على الآخرين ثغرة في جدار الأمن القومي؛ إذ الأمة التي لا تنتج غذاءها ودواءها وتقنيتها، تظل منقوصة السيادة.
إن الاستغناء القائم على ترشيد الاستهلاك يقلل من فرص الابتزاز الخارجي، ويبني ” *الردع الاقتصادي”* المنشود.
فكما ينتصر الصائم على شهوته بالامتناع، وجب على الأمة أن تمارس ” *صوما حضاريا”؛* بمقاطعة ما يضر بمصالحها، وتطوير بدائلها المحلية، وتوجيه مواردها نحو الاكتفاء الذاتي.
بهذا المنظور، تتحول الشعيرة من عبادة فردية إلى *طاقة حضارية فاعلة* تخرج ما في الأمة من طاقات كامنة، وإلى *سياسة اقتصادية راشدة تحررها من التبعية، و تعيد تعريف القوة في وجدانها*.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى