الطيب بوعزة يقارب التاريخ من منظور الفلسفة.

بقلم: ياسين حكان*
القدس العربي.
أصدر الأكاديمي المغربي الطيب بوعزة، أستاذ التعليم العالي تخصص الفلسفة في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين طنجة (المغرب)، كتابا جديدا يحمل عنوان: «المؤرخ والفيلسوف: أسئلة الإسطوغرافيا وفلسفة التاريخ» عن مركز نهوض للدراسات والبحوث في الكويت في حدود 800 صفحة من القطع المتوسط.
ويتناول بالدراسة والتحليل موضوع علاقة المؤرخ بالفيلسوف، بناء على منظور جديد، يعكس كيف يمكن الاستفادة من الفلسفة في دراستنا للتاريخ، على اعتبار أن فلسفة التاريخ تخصص معرفي، يبرز كيفية اهتمام الفلاسفة بحقل التاريخ.
ويقول مركز نهوض للدراسات والبحوث في تقديمه هذا المؤلف المرجعي، حسب تعبيرهم، «قليلة هي الكتب التي تحمل أطروحة جديدة. ويُعَدُّ هذا الكتاب من هذا النوع النادر. إذ بناءً على مفهوم «الكمال» وثلاثية «الذاتية والبَيْنذاتية والبَيْنية»، أقام المؤلف أساسًا نظريّا قرأ به النتاج الإسطوغرافي، وفلسفات التاريخ، التي فَرَّعَها، حسب تصنيف كانط، في ثلاثة تشكيلات هندسية. بدءا من استثمار أفلاطون لـ»كذبة هيزيود»، إلى تحويلها اللاتيني مع أوفيديوس، ومن سجال المسعودي مع سنان بن ثابت إلى «عمران» ابن خلدون، ومن علموية رانكه وسينيوبوس إلى حوليات بروديل وفيفر، ومن سقوط كانط من علو «الترنسدنتال» إلى «لون الجلد»، ومن «مكر المطلق» عند هيغل إلى «ورطة النسق» الماركسي، ومن نقدية مربورغ وهايدلبرغ إلى إشراط فلسفة التاريخ بالمجاز البلاغي مع هايدن وايت… إنها رحلة معرفيَّة ثريَّة تجعل من هذا الكتاب متناً مكتنزاً يستحقُّ القراءة، بل المدارسة».
وبخصوص الاختلاف الحاصل بين نظرة المؤرخ والفيلسوف لمقاربتهم لموضوع التاريخ، يشير التقديم ذاته إلى أن: ‹›ثمة اختلاف جوهري بين نظرة المؤرخ ونظرة الفيلسوف إلى التاريخ؛ إذ المؤرخ مشغول بدراسة الوقائع والأحداث من جوانبها كافة، فتراه يلم بدقائقها وتفصيلاتها، ويَصِفُ ملابساتها وسياقاتها، ويبذل غاية جهده في الاهتداء إلى الأسباب المباشرة والعلل الجزئية التي تفسرها، متوسلا إلى ذلك باصطناع منهج مخصوص يقوم على جمع المادة التاريخية من مظانها الصحيحة، على وجه الاستيعاب أو الاستقصاء، ثم تمحيص هذه المادة، واستنطاق ما تنطوي عليه من معان ودلالات، ظاهرة كانت أم مضمرة، ومعالجتها معالجة نقدية وفقا لطائفة من الأعراف والقواعد العلمية، التي استقر عليه المشتغلون بمهنة التاريخ. أما الفيلسوف فلا ينشغل بالأحداث التاريخية في عوارضها الجزئية انشغال المؤرّخ بها، ولا يُعنى بجمعها هذا الجمع المستوعب، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وإنما يجعل وَكْدَهُ تبين المسار العام الذي يوجه حركة الأحداث في مجموعها، واستكشاف العلل الكلية الشاملة التي يمكن الاطمئنان إليها في تفسيرها».
وإذا جاز لنا القول إن الكتاب مهم جدا وثري، فإنه يُعد بحق إضافة نوعية للمكتبة المغربية والعربية، لاسيما أن حقل فلسفة التاريخ، لم يعرف إنتاجات رصينة على المستوى العربي باستثناء كتابات قليلة مثل كتابات عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، إلا أن ما يبهرك في الكتاب هو قدرة الطيب بوعزة على استثمار المتن الفلسفي بدقة في مناقشة المشكلات التي تعترض المؤرخين، من خلال توضيح العلاقة بين التاريخ والتأريخ، وإبراز الاختلاف بينهما ثم إعادة طرح سؤال ما التاريخ؟ ومحاولة الإجابة عنه بالعودة إلى ما سماه مولد المؤرخ هيرودوت، ومسائل أخرى تعالج هذا الالتباس الحاصل بين الفلسفة والتاريخ، على اعتبار أن لكل حقل مجاله الخاص، لاسيما أن للفيلسوف أدواته في الاشتغال من جهة، وللمؤرخ كذلك آلياته في توثيق الأحداث.
*صحافي وباحث مغربي.





