العدل مدخل حضاري للنهوض.

سلمان بونعمان
ليس عجيبا أن يجمع القرآن بين العدل والإحسان في آية واحدة: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” [النحل: 90]. فالعدل يقيم البنية، والإحسان يرفع الإيمان والعقل إلى مقام التكامل والابتكار والإتقان في الفعل الحضاري. ومن ثم يكون العدل ضابطا لتوزيع الحقوق والفرص، والإحسان غارسا لقيم التقوى والأمانة. وحين يجتمعان يولد نموذج حضاري متماسك أساسه: مؤسسة عادلة، وإنسان متقن، وسوق منضبط، وحكم رشيد.
وفي ضوء ذلك يعد العدل في التصور الإسلامي قيمة حاكمة ومؤسسة لعمران الأمة؛ به تنتظم الثقة العامة، وتستقيم علاقة السلطة بالأمانة، وتتوازن علاقة السوق بالقسط، فتتهيأ شروط التكوين والإنتاج والتراكم والإبداع. وحين يستقر العدل في الاجتماع الإنساني والسياسي، يتحول إلى ثقافة سارية في السلوك الفردي والجماعي، وقاعدة ضابطة لتدبير الشأن العام، فيطمئن الناس إلى حقوقهم، وتستقيم دوافعهم نحو العمل والبناء والإحسان.
ولذلك أقر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بكل صرامة أمام أصحابه القاعدة الخالدة: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، مؤسسا لقانون جديد جوهره حياد العدالة أمام القريب والبعيد، والقوي والضعيف، والغني والفقير؛ فالقاعدة النبوية القانونية تستمد مصداقيتها الأخلاقية من عموميتها. ويبين النبي الكريم أن مآل تفشي الظلم واللامساواة بين الأفراد يفضي إلى خراب العمران وانهيار الأمم حضاريا، إذ تسقط العدالة حين يتحول القانون إلى امتياز، فينهار الشعور بالإنصاف، وتتآكل الثقة، ويتصاعد الاحتقان، ثم تبدأ الدولة بالتفكك من الداخل.





