العدل والإحسان وأفق المشاركة السياسية (الجزء الاول)

 

بقلم : عبد الرحيم مفكير

تقديم: السياق العام للوثيقة السياسية للعدل والإحسان

بتاريخ الثلاثاء 25 رجب 1445ه/ 6 فبراير 2024م أصدرت جماعة العدل والإحسان وثيقتها السياسية إلى الرأي العام ونخبه وقواه السياسية والمدنية، الوثيقة التي جاءت في سياق سياسي دولي ووطني مـتأزم عرف حربا روسيا على أوكرانيا، وهجوما وحشيا من الصهاينة على قطاع غزة بعد طوفان الأقصى السابع من أكتوبر بعد حصار تجاوز 16 سنة من الحصار والتجويع والتنكيل، ومحاولة القضاء على فصائل المقاومة الفلسطينية دون أن يتحقق المبتغى، وتأييد دولي غير مسبوق عرى التبجح الغربي بالديموقراطية وحقوق الإنسان. وقد تكالبت كل القوى على قطاع معزول وحركة مقاومة صامدة بعثرت كل أوراق المنتظم الدولي، وأخرجت ملايين الحناجر  المعارضة للإبادة الصهيونية لشعب أعزل، وأذكت الحماس، وأحييت الروح من جديد في نفوس جيل الممانعة والمقاومة، وكشفت عن سوءات أغلب الأنظمة الخانعة والتابعة للغطرسة الأمريكية. وعلى المستوى الإقليمي ما زالت قضية الصحراء المغربية تعرف صراع الإخوة الأعداء حيث انحاز الحكام الجزائريون لمقولة تحقيق المصير، والدعم اللامشروط للبوليساريو، بالرغم من أحقية المغرب في أراضي والتي هي جزء منه تستولي عليه الجارة الجزائر، وتحدي المغرب لكل أعداء وحدته الترابية بتنمية أقاليمه الجنوبية، والاستثمار في عمق إفريقيا، والمحافظة على  وحدته الترابية، وفي السياق المحلي جاءت الوثيقة بعد تجربة تدبير الإسلاميين للشأن العام خلال ولايتين متتاليتين، وما صاحبها من تحديات وحاجة إلى تقييم المرحلة، وعرض المنجز الحكومي للعدالة والتنمية الذي اختار المشاركة السياسية، وخاض غمارها منذ الوحدة ، والالتحاق بحزب الدكتور الخطيب، عكس خيار جماعة عبد السلام ياسين، وتوقف هذا المسار بعد 8 شتنبر الذي جاء بالأحرار لتسيير الشأن العام، والاخفاقات التي عرفتها أغلب القطاعات، لاسيما الصحة والتعليم، ومجال التنمية، وإضراب الأساتذة الذي دام أشهرا ما زالت تداعياتها إلى اليوم بالرغم من توقيع محضر اتفاق بين الحكومة والنقابات، والأخطر فضيحة مسؤولين برلمانيين ومستشارين، وتورطهم في قضايا فساد كبير. وموت لأغلب الأحزاب السياسية ونفور المواطنين المغاربة من العمل الحزبي والنقابي، وأضحى المغرب بلدا بدون طعم سياسي أو نقاش فكري، وعدم الاهتمام بالتحولات المجتمعية، والانغماس في التحديات اليومية لتلبية الحاجيات الأسرية الضرورية، وفتح الباب على مصراعيه لنقد السياسة المغربية وخيارات الدولة والأحزاب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا السياق المكهرب تأتي الوثيقة السياسية التي اختير لها الزمان، فهي في شهر رجب، تعبيرا عن مرحلة الإسراء والمعراج من عالم إلى عالم، ومرحلة إلى أخرى، قد تكون إيذانا بفك الارتباط بين التربوي والسياسي، أو تشكيل حزب سياسي بالمغرب ينضاف إلى باقي الأحزاب التي تعرف أعطابا عدة، ونفورا شعبيا، وتهما بالاسترزاق والفساد، ومجالا للغنى والتسلق المجتمعي، باستثناء بعض من حافظوا على ماء الوجه، وبقوا أوفياء لمبادئهم وللعمل السياسي المتزن. وتحمل هذه الوثيقة التي تمتد إلى  196 صفحة، رؤية الجماعة للعديد من القضايا الراهنة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمجتمعية في كل المجالات، وتتوزع إلى مقدمة وأربعة محاور كبرى:

  • المنطلقات والأفق
  • المحور السياسي: حرية وعدل وحكم المؤسسات
  • المحور الاقتصادي والاجتماعي: عدالة وتكافل وتنمية مستدامة.
  • المحور المجتمعي: كرامة وتضامن وتربية متوازنة

وقد حضر للندوة الصحفية التي عقدتها الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، أغلبها يتقاسم مع “العدل والإحسان” قناعات إيديولوجية إسلامية (حركة التوحيد والإصلاح، البديل الحضاري)، أو قناعات سياسية حقوقية (خديجة الرياضي، المعطي منجب الخ).

مسارات العدل والإحسان

لقد مرت جماعة العدل والإحسان من مسار طويل منذ التأسيس إلى اليوم، وارتبطت بشخصية كاريزمية تمثلت في الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي أصبحت الجماعة تصف بالإمام المجدد. وجاءت أغلب الرؤى التصورية والبرامج برؤية شيخها متضمنة  في أغلب كتبه. وكانت مرحلة النشأة والتثبيت 1972 – 1979م ، حيث بدأت باختيار الفقيد عبد السلام ياسين الخروج من جلباب البوتشيشية، وتوجيه   رسالة ” الإسلام أو الطوفان “إلى الراحل الحسن الثاني رحمه الله، و لا يمكن في الأدبيات الفكرية تجاوز كتاب ” الإسلام بين الدعوة والدولة الصادر سنة 72م و“ الإسلام غدا“ 73م، ووجهت أغلب الأفكار المتضمنة بقراءات  نقدية ركزت على التصوف . ويمكننا اختزال كتاب الإسلام بين الدعوة والدولة”  في مجمله في مستويين: مستوى بينة الدولة، ومستوى خاصية العمل الإسلامين ثنائية الدعوة والقيادة الجهادية،  وانعدام التمييز بين الدين والسياسة لإقامة الدولة. وقد رفض في الكتاب الثاني جاهلية عبد السلام ياسين جاهلية المجتمع القطبية ليستبدلها بالفتنة.

ففي هذه المرحلة ركز على إنجاز مهمتين الأولى في تقعيد العمل الإسلامي ( وضع الأسس الفكرية نظرية الجهاد والتربوية مفهوم الصحبة ( صوفي)، والثانية سياسة توحيده ( مجلة الجماعة 79)  محاولة التوحيد بين السلفية والصوفية ص 29.

 أما التوحيد الأفقي بين الإسلام الدعوي والإسلام الحركي ( ينظر إلى ان الجماعات القائمة اقتصرت عل جانب واحد من التربية إما الروحية أو تعليم النصوص الشرعية ص 30).

وفي خطوة  ثانية يمكن تسميتها بمرحلة البناء  انطلقت سنة 1980 م،  فقد شرعت الجماعة في بناء نفسها، وانتقلت من الدعوة الخاصة إلى الدعوة العامة، وتوجه المرشد العام إلى النخبة لمحاورتها، ودعا المثقفين للالتحاق بالجماعة، وتم تصحيح المفاهيم حيث اختار القومة عوض الثورة، وبين المأزق القومي. ليأتي التحول من الإطار العام إلى الإطار الخاص انطلاقا من أسرة الجماعة إلى جمعية الجماعة الخيرية 83/87 ( انظر فصول القانون الأساسي ص 47 وما بعدها )

وتعتبر  سنة 87، سنة التحول في فكر الجماعة ومسارها حيث رفع شعار ” العدل والإحسان“ وتم وضع إطار للهيكلة المؤتمر العام، المرشد العام، مجلس الإرشاد، مجلس التنفيذ القطري، الهيئات التربوية (الأسرة، الشعبة، الجهة، الإقليم) الهيكلة القطاعية القطاع الطلابي …
1990 م حضر الجماعة وشد الحبل مع السلطة 30 دجنبر 90حصار المرشد العام (السيرة الذاتية ص  63 وما بعدها).

وفي مرحلة ثالثة تأسست الدائرة السياسية للتعبير عن رؤية الجماعة لما هو حزبي وسياسي، مع التمسك بموقف اللامشاركة، ورفض الدساتير التي تعتبر ممنوحة، والاعتماد على التأطير الجماهيري لتشكيل الجماعة الضاغطة، والقيام بالقومة بتربية المجتمع على رفض كل اختيارات المخزن، وانتظار توفير الشروط الموضوعية للمشاركة السياسية، وانتقاد تجربة التوحيد والإصلاح، التي تعتبر في تصور الياسينيين حركة منبطحة ومخزنية وإن لم تعبر عنها في أدبياتها، ولكن يتداولها أعضاؤها لدرجة تخوين زعمات هذا التنظيم الذي اختار طريقا مخالفا لها، بالرغم من الغزل المتبادل في بعض المناسبات بين التنظيمين، والأكيد أنهما على مفترق الطرق. وهذا ما دفع الجماعة للانفتاح على تيار اليسار الراديكالي والحقوقيين، ومن يلتقون معهم في الموقف من المخزن، وتجلى ذلك بوضوح خلال انتفاضة الربيع العربي، وما فتئت الجماعة أن انسحبت من هذا التنسيق لاعتبارات بسطتها في مواقعها وعلى لسان قياديها مما دفع مكونات التنسيق لتوجيه تهم للجماعة.

إن مرحلة ما بعد الحسن الثاني والعهد الجديد بقيادة محمد السادس، تم فيها الإفراج عن الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله، الأمر الذي دفع الجماعة للتفكير في حكامة إدارة المرحلة، والتعامل بحكمة مع الواقع الجديد. وقد أسفرت هذه المرحلة عن تحركات عبد السلام ياسين رحمه الله الذي جاب المغرب للتواصل مع القواعد، وفي نفس الوقت التفكير الجدي في مخطط “ما بعد الحصار” وكان لزاما الانفتاح على كل الأطياف المجتمعية والحساسيات، إلا أنه التبشير بنهاية نظام في 2006م بعثر كل الأوراق. ولم تغير الجماعة موقفها من المخزن، وبقيت متمسكة برؤيتها وتصورها حول طبيعة النظام، وحلم الخلافة على منهج النبوة، إلى أن خرج الفقيد عبد السلام ياسين رحمه الله بتوجيه رسالة إلى من يهمهم الأمر اعتمدت مصطلحا جديدا وهو التوبة العمرية، تعامل معها النظام برد سريع من طرف المجلس العلمي الأعلى عبر كتيب.

لقد اعتمدت الجماعة في أغلب أدبياتها على كتابات المرشد العام فهو المنظر والمؤطر للفكر مما يفرض حسب باحثين منهم ضريف محمد، اعتبار الجماعة جماعة ياسينية ، ولا نكاد نجد كتابات الأعضاء إلى لماما، ونشطت هذه الكتابات بعد رحيل رئيس الجماعة.

إن من أسس الجماعة التربية الروحية ” الصوفية“ بكل شروطها، وتأثرت بالفكر الشيعي على مستوى الطرح السياسي “ولاية الفقيه” “ولاية المرشد” “ونظرية الخلافة” . ويبقى من أهم مميزات الجماعة علنية الممارسة والوضوح في الخطاب ونبذها للعنف.  وقد رفضت الجماعة فكرة المفاصلة ونبذت السرية وقبلت بالمشاركة على مستوى التنظير دون التطبيق إلا بتوفر شروط تقدمها بين يدي هذه المشاركة، التي يمكننا أن نسميها المشاركة المشروطة.

رهانات الجماعة: رهان تكتيكي ورهان استراتيجي ، ويقصد بالأول جماهيرية الخيار الإسلامي ، فبصدور كتاب ” الاسلام وتحدى الماركسية اللينينية 87 ” يتأسس فكر مركزية ” تنهيج ” الدعوة أي التدرج بالإنسان من موقعه الإنساني ، من ظروفه المادية ….. إلى فك الرقاب، ويطمح هذا الفكر توسيع مجال جماهيرية الدعوة كي تصل إلى الجامعات والنقابات والتعاونيات والجمعيات المهنية والشباب …. وقد تأتى لها ذلك وركزت على المسألة الاجتماعية، وأعدت لذلك البرنامج ، والأداة كانت المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا  82 م الذي يعتمد التربية الإيمانية لإعداد جيل التغيير وتربية الناس على منهج النبوة الصافية وتحصين التنظيم بتطبيق بنوده في اختيار المسؤولين( صلاحيات المرشد ، وغيرهم ص 155 وما بعدها).

الرهان الاستراتيجي: إعادة بناء الخلافة على منهاج النبوة،  والذي سيتغير بالحديث عن الخلافة العمرية ،  كما أسلفنا ،(انظر مراسلة الملك الشاب ” إلى من يهمهم الأمر والتي رد عليها القصر برفع الحصار عن المرشد العام ليبدأ الحديث عن حصار الجماعة. الرهان الاستراتيجي سنده المرجعي يتجلى في ” نظرات في الفقه والتاريخ“ 89 م والذي تأثر فيه صاحبه بالثورة الإيرانية ومجد فيه الشيعة وأثنى على ولاية الفقيه. ويؤسس فيه إلى وجوب تحقق الموعود النبوي بصياغة ميكانيكية، وجعل له سنده السلوكي ” جند الله“ وهذا المصطلح هو عنوان كتاب لسعيد حوى ضمنه مراتب الجند ومواصفاتهم، ومواصفات الخصال العشر، والصحبة والجماعة، وخصال الصحبة، ومدارج السالكين،….

لقد قسم المرشد العام ، واعتبر انتقال الأمة  من الخلافة إلى الملك العاض انكسارا تاريخيا يقتضي تعرفا عل القوانين الموضوعية التي حكمته، كما يتطلب إدراكا لدلالاته، وتطابق المرجعية الشرعية مع المرجعية التاريخية يبين أن الدعوة الإسلام تشكل ماضيا وحاضرا ومستقبلا من خمس مراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة النبوة
والثانية: مرحلة الخلافة على منهج النبوة
والثالثة: مرحلة الحكم العاض بدأت بانتهاء الخلافة الراشدة
المرحلة الرابعة: مرحلة الحكم الجبري وهي التي تعيشها الأمة حاليا، والحكم الجبري هو الحكم الديكتاتوري بلسان العصر
المرحلة الخامسة: عودة الخلافة على منهاج النبوة.

العدل والإحسان والمشاركة السياسية:

هل تؤمن جماعة العدل والإحسان بالمشاركة السياسية، وعلى أي أساس، وما شروط هذه المشاركة، وكيف تعيش حالة التناقض بين تصور الشيخ عبد السلام ياسين وتنزيل الرؤية؟ وهل هي جماعة تربوية أم فاعل سياسي، أم هما معا، وما مجال اشتغال الدائرة السياسية؟ هذه وأسئلة أخرى تفرض علينا مساءلة ما كتبه الشيخ عبد السلام ياسين، للوقوف على مشروعه السياسي.

إذا تتبعنا التصورات والرؤى المذهبية في المجال السياسي و النقابي عند الجماعة  نجد الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله  في تشخيصه لمشاكل الأمة يرى أنها متشعبة، كما أن مهمات البناء ثقيلة وحددها في مشكلات سياسية واجتماعية وأخرى مرتبطة بالفساد السياسي والاجتماعي… أما مهمات إصلاح هذه الأوضاع فيكون بعد ” القومة” مثل الجبال، ويقترح ضرورة إشراك الشعب المستضعف والتائبون من كل الطبقات. يقول عبد السلام ياسين” وعندما يستفحل وباء الرأسمالية ويطوق عنق العامل والفلاح والشعوب المستضعفة بطوق هيمنته ليمص الدماء نقوم إن شاء الله القومة الكبرى ومن ضمنها القومة الاقتصادية” ذ: عبد السلام ياسين: مجلة الجماعة ع 11 ص 39/40/41 بتصرف. وهذه القومة في حاجة إلى جهاد سياسي وجهاد التنفيذ.  والمقصود بالتنفيذ نهوض الجماعة القطرية لتعلن نفسها أو تسر وجودها ثم لتزحف إلى الحكم وتستولي عليه وتعيد ترتيب البيت وتوجه المسار وتعرف المعروف وتأمر به بعد أن تنكر المنكر وتطيح به نفسه ص 44.

يتبع

About الجديدة نيوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

التدافع السياسي قبل الهدنة في قطاع غزة …

  بقلم: أ. د. محسن محمد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. يظهر أنّ ...