العزلة البيولوجية: هل يؤثر “كورونا” على الدور العالمي للصين ؟

    أثار الانتشار واسع النطاق لفيروس كورونا في الصين، وانتقاله إلى عدد كبير من دول العالم، جدلًا حول تأثيرات هذه “الأزمة البيولوجية” على الدور العالمي للصين، إذ يأتي تفشي الفيروس في خضم سعي بكين لتعزيز دورها العالمي من خلال مشروع “الحزام والطريق”، وتطوير قدراتها العسكرية، والسعي لإعادة هيكلة النظام الدولي تدريجيًّا ليستوعب الصعود الصيني. وفي مقابل الرؤى الغربية التي اعتبرت الفيروس انتكاسة للتمدد الصيني، فإن المنظور الصيني يعتبر هذه الأزمة ضمن أنماط الكوارث الطبيعية العابرة (مثل: الفيضانات، والأعاصير، وحرائق الغابات) التي عادةً ما تتعافى منها الأمم القوية، بل وتستخلص منها فرصًا لإعادة البناء وتعزيز التماسك الداخلي.
التضامن الحكومي- المجتمعي :
    يُشير العديد من الخبراء إلى أن الوضع في الصين في تحسن مطرد في الوقت الحالي، فيما يرجع انتشار “فيروس كورونا” بشكل سريع مسبقًا إلى أن الفيروس قد تزامن ظهوره مع أكبر احتفال صيني تقليدي “احتفال الربيع”، الذي يتنقل فيه المواطنون الصينيون بين أرجاء الدولة. ففي عام 2019 على سبيل المثال خلال 40 يومًا من احتفال الربيع تنقل 2.98 مليار مواطن في مختلف أنحاء الصين، وبالتالي فإن انتقال عددٍ مماثل من المواطنين خلال احتفالات الربيع الحالية أدى إلى انتشار الفيروس، ويتركز أكثر من 70% من الحالات في مقاطعة هوبي، ومنذ 6 فبراير الجاري بدأ عدد الحالات المصابة في الانخفاض، وتزايد عدد المرضى الذين تم علاجهم بشكل كبير. ووفقًا للبيانات الرسمية فإن معدل وفيات الفيروس يتراوح بين 2.3% إلى 2.4% في الوقت الحالي.
    ويرجع هذا إلى تحرك الحكومات المركزية والمحلية في الصين للرد بشكل سريع على الوباء. وفي هذا الإطار خصصت وزارة المالية 66.74 مليار يوان لمكافحة الفيروس، وتم اتخاذ بعض التدابير الخاصة بتخفيض الضرائب لدعم الأعمال، مثل ضريبة القيمة المضافة، كما صدر قرار بالإعفاء من ضريبة الدخل الشخصية للأطباء والعاملين المشاركين في مكافحة الفيروس، كما اتخذ البنك المركزي إجراءات عاجلة لضمان استقرار الأسواق المالية، ففي 3 فبراير 2020 أعلن بنك الصين الشعبي عن أنه سيضخ 1.2 تريليون يوان في الاقتصاد، كما أعلن في 7 فبراير 2020 عن توفير ما يُقدر بحوالي 300 مليار يوان كقروض سريعة للشركات لتوفير الأقنعة والنظارات الواقية والمطهرات.
    وتحت قيادة الحكومة المركزية وبدعم من أطباء جيش التحرير الشعبي الصيني، تم حشد المجتمع لمكافحة الوباء، حيث أرسلت الحكومة العديد من الأطباء من 16 مقاطعة مختلفة لدعم ووهان، وقام المواطنون بتقديم العديد من التبرعات لدعم المقاطعة، واشترى العديد من الصينيين في الخارج المستلزمات الطبية وقاموا بإرسالها إلى الصين، وقامت الحكومة بإصدار قرار بمد عطلة عيد الربيع وتأخير فتح المدارس للسيطرة على انتشار الفيروس، وتمت السيطرة على جميع المنافذ والمخارج في هوبي، ولم يعد يُسمح بالمرور إلا لإمدادات الإغاثة والمستلزمات الضرورية للسكان، ويزور الأطباء والعاملون في مكافحة الفيروس المنازل يوميًّا لقياس درجة حرارة المواطنين والتأكد من سلامتهم، كما تطوع العديد من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني في الأعمال التنظيمية لمقاومة الفيروس.
تداعيات دولية متباينة :
    كشف هذا الفيروس للعالم قدرة النظام الصيني على الصمود والتعافي السريع تجاه الأزمات (Resilience)، حيث استطاعت الحكومة الصينية القيادة والتنسيق بشكل فعال وكفء ضد الفيروس، وقام الرئيس “شي جين بينج” بقيادة أنشطة مكافحة “كورونا” بنفسه، كما تعاون مع الدول الأجنبية الأخرى لسحب المقيمين الأجانب من “ووهان” بشكل سريع، وتمكّنت الحكومة من بناء مستشفى بسعة 1000 سرير، ومستشفى آخر بسعة 1500 سرير في غضون 10 أيام فقط.  وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى أبرز تداعيات فيروس كورونا على دور الصين العالمي، وذلك فيما يلي : 
1- تراجع نسبي للاقتصاد :
    يمكن القول إن تأثير فيروس “كورونا” على الاقتصاد الصيني مؤقت ويمكن التحكم فيه وإدارته، فوفقًا لبعض الخبراء سوف يؤدي الفيروس إلى إبطاء النمو الاقتصادي الصيني، وسوف ينخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 5% في الربع الأول من عام 2020، بيد أنه مع السيطرة على الفيروس مستقبلًا والقضاء عليه فإن الاقتصاد الصيني سيتعافى في الربعين الثالث والرابع من العام مع وجود العديد من السياسات المالية والنقدية والصناعية الفعالة، وسوف تعود عجلة الإنتاج إلى طبيعتها، لا سيما وأنه تم منح الصناعات المتضررة من الفيروس إعفاءات وتسهيلات ضريبية، على غرار: قطاع السياحة، والنقل، والفنادق، والتوصيل، والطيران المدني، بهدف مساعدتهم على تجاوز صعوبات المرحلة الحالية.
    وعلى النقيض من المتوقع، فقد أدّى الفيروس إلى إنعاش العديد من القطاعات الأخرى، مثل المنتجات التي يتم بيعها عبر الإنترنت، وبصفة عامة فإن زيادة حجم المبيعات عبر الإنترنت، وسماح العديد من الشركات للمواطنين بالعمل من المنزل، سوف يؤدي إلى إيجاد أنماط جديدة من الاستهلاك، وأشكال جديدة من التفاعلات في بيئة العمل داخل المجتمع الصيني .
2- تصاعد “فوبيا الصين” :
    تزايدت حالات الخوف غير المبرر من الصينيين (China-Phobia) في العديد من الدول، لا سيما الغربية منها، وتم رصد حالات اعتداء على الصينيين في بعض الشوارع. في المقابل، تضامنت كثير من الدول مع الصين، وقامت بإرسال التبرعات والإمدادات الطبية إليها، منها على سبيل المثال: الإمارات، والجزائر، ومصر، وأستراليا، ونيوزيلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايلاند، وماليزيا، وإندونيسيا، وكازاخستان، وباكستان، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وبيلاروسيا، وغيرها الكثير، كما قام رئيس الوزراء الكمبودي “هون سين” في فبراير 2020 بزيارة الصين ليعبر عن تضامنه مع الشعب الصيني. وفي هذا الإطار، صرّح الرئيس الصيني “شي جين بينج” بأن “رئيس الوزراء الكمبودي أعرب عن دعمه القوي للصين في العديد من المناسبات، بل وقام بنفسه بزيارة خاصة إلى الصين اليوم مما يظهر علاقة صداقة لا تقبل الكسر، وثقة متبادلة بين الجانبين”. 
    وفي هذا الإطار، أعلن العديد من المواطنين الصينيين عزمهم تنظيم مبادرات لزيارة الدول التي قامت بدعمهم خلال انتشار الفيروس كنوع من تقديم الشكر لهم.
3- ثبات ثقة المستثمرين :
    فيما يتعلق بثقة المستثمرين فقد أعلن البنك الدولي في 4 فبراير 2020 أن “السلطات الصينية لديها مساحة للسياسة العامة للاستجابة، وقد أعلنت عن ضخ كميات كبيرة من السيولة، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في تخفيف التكاليف التي سيتكبدها النمو الاقتصادي”، كما صرحت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي “كريستالينا جورجيفا” في فبراير 2020 بأن “الصندوق يدعم جهود بكين في التصدي لفيروس كورونا، ونحن واثقون من أن الاقتصاد الصيني لا يزال مرنًا، ولديه قدرة على التعافي”، فتحسن الأوضاع الاقتصادية في الصين مكنها من مواجهة “كورونا” بفعالية أكبر من “سارس” على سبيل المثال، فالناتج المحلي الإجمالي الصيني كان يقدر بحوالي 12 تريليون ين في 2002، وما يزيد عن 99 تريليون ين في عام 2019، وأصبح لدى الصين من القوة الاقتصادية ما يمكنها من مواجهة التحديات.
    ختامًا، لا يُتوقع أن ينحسر الدور العالمي للصين نتيجة انتشار فيروس كورونا، ففي الصين قول مأثور مفاده “إن تزايد المعاناة يعزز تماسك الأمة، وكل صعوبة هي اختبار”، ومن ثم يمكن القول إن بكين استطاعت اجتياز هذا الاختبار، وتزايد الوعي لدى المواطنين الصينيين بالمخاطر غير التقليدية، وكيفية منعها، وآليات التعامل معها. كما قامت بكين بإعادة النظر في مشكلاتها لتعميق الإصلاح، ومواصلة تطوير ذاتها، والتغلب على التحديات البيولوجية والاقتصادية.

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها

جهة درعة تافيلالت ضيحة مدوية تهز ٱيت سدرات السفلي ضواحي تنغير..و هذه تفاصيلها