مجرد رأي

“العمل الجمعوي في مرمى النيران الإعلامية… من يرد الاعتبار؟”

في خضم السجال المتصاعد حول “التطفل الإعلامي” وانزلاقات بعض الممارسات، يبدو أن سهام النقد قد تجاوزت حدود المهنة لتصيب، عن قصد أو غير قصد، العمل الجمعوي برمّته، وتخلط بين “الدخيل” و”الأصيل”، بين “الاستغلال” و”الرسالة”، وبين من يمتهنون العمل التطوعي بنَفَسٍ وطني، وبين من يبحثون عن فرص للركوب على كل موجة.

لقد ورد في مقال  (الإعلام بين التطفل والمهنية) أن العديد ممن فشلوا في الحقل الجمعوي اتخذوا من الصحافة بديلاً للظهور، وكأن المجال الجمعوي أصبح مطية لمهووسي الواجهة، وهي قراءة جزئية وغير منصفة، تُهمل آلاف الجمعيات والمبادرات والطاقات الجمعوية التي تشتغل في صمت، وتبني كل يوم جسور التضامن والتنمية، في الحواضر كما في القرى.

إن العمل الجمعوي الجديدي، رغم ما يشوبه من اختلالات – لا أحد يُنكرها – لا يمكن اختزاله في “الفشل” أو “الركوب”، بل هو اليوم فاعل أساسي في تنزيل سياسات القرب، في حماية الفئات الهشة، في نشر الثقافة والرياضة، في مقاومة الإدمان، وحتى في التأطير السياسي والمواطنة. وليس ذنب الفاعل الجمعوي أن بعض المجهولين يلبسون عباءته ليمارسوا “الإعلام العشوائي” أو ليقتحموا ساحات لا يُتقنون لغتها.

بل الأجدر أن نوجه أصابع اللوم لا للعمل الجمعوي، بل إلى غياب التقنين والتكوين والمراقبة المؤسساتية للمجال الإعلامي، وغياب بطائق مهنية موحّدة صارمة، وإلى تقاعس بعض النقابات والهيئات عن حماية الصحافة من الدخلاء.

ثم إن الفاعل الجمعوي الحقيقي، هو من يرفض أن “يبتز” بجمعيته أو أن يبيع صورته لمآرب انتهازية. هو من يُدرك أن الشرعية تُبنى بالمصداقية، لا بالهواتف أو بعدسات جوالة. ومن قال إن العمل الجمعوي لا يُنتج كفاءات إعلامية؟ بل منهم من اختار الميكروفون كوسيلة للدفاع عن القضايا المحلية، عن الحقوق، عن الذاكرة، عن العدالة المجالية، عن الثقافة، ولكن بأخلاقيات، لا بمزايدات.

إننا اليوم بحاجة إلى فرز أخلاقي ومهني لا إلى جلد عشوائي، إلى تمييز بين الجمعوي الحقيقي والانتهازي، كما نطالب بتمييز بين الصحفي المتكوّن والصحفي بالصدفة. لأن التعميم السالب يقتل المهنة، ويسيء لصورتها، ويُفرغ المعركة من مضمونها.

وفي الختام، إذا كنا نُدين “الإعلامي المزيّف”، فإننا في المقابل نُثمّن “الجمعوي النزيه”، ونُذكّر أن المغرب اليوم يبني نموذجه التنموي الجديد على شراكة ثلاثية بين الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني. فلنحذر أن نهدم أحد أركانه بحبرِ التسرّع أو خطاب التعميم.

“لا تُحاكموا الجمعيات بذنب الطفيليات”

“الصحافة لا تبرّر التشويه.. والعمل الجمعوي ليس علبة إسعاف للفاشلين”

“العمل الجمعوي ليس شماعة لفشل الآخرين!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى