العمل الحكومي وفقدان البوصلة

نور الدين قربال
أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تقريرا يستهدف أهمية القدوة الحسنة في ترسيخ القيم داخل الفضاءات العمومية. مركزا على مدونة وطنية للسلوك المدني. انطلاقا من مبادئ الجودة والنمذجة والمسؤولية واحترام القانون. كل هذا سيساهم حتما في تعزيز المواطنة والتنمية المستدامة، وجودة العيش، والتماسك الاجتماعي. لكن هذا غير كاف إذا كان المجتمع المدني يعيش مع حكومة تفتقر إلى بوصلة تناغم بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المواطنة التشاركية. بمفهوم المخالفة نحن في حاجة إلى سلوك حكومي جيد في مقاربة التنمية المستدامة والمندمجة والبشرية. مع ترسيخ قيم العمل السياسي في وضع البرامج الحكومية انطلاقا من الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد انعكس السلوك الحكومي الفاقد للبوصلة على أغلبيته العددية بالبرلمان التي أسقطت للأسف الشديد مشروع مقترحين يهمان تسقيف أسعار المحروقات وإعادة تشغيل مصفاة سامير. وهذا في العمق لشنيع. في إطار فقدان البوصلة نسائل الحكومة كما يتساءل الجميع عن تأخر مشاريع دشنت من قبل جلالة الملك لأكثر من 4 سنوات والتي تهم مشاريع لها علاقة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومشاريع صحية، واجتماعية نظرا لغياب الحكامة وفقدان الالتقائية، وكون أن هناك خصاصا في الأطر الصحية فقد استعانت الحكومة بالموارد البشرية للجماعات الترابية من أجل تأهيلهم في مهام التمريض، بناء على شراكة بين وزارتي الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية، وقد سبق في هذا كلام من قبل المجلس الأعلى للحسابات والمحاكم المالية الجهوية التابعة له، فكيف نبرر هذا؟ إن هذا العطب الحكومي أثر على الاختيارات الترابية التي تعرف شكايات من قبل الجميع احتجاجا على اختلالات في الصفقات العمومية على مستوى الحراسة الخاصة، والنظافة وصيانة المباني والبستنة، وقضايا أخرى.
من تجليات فقدان البوصلة للحكومة الحالية هو الاضطراب الحاصل على مستوى أسواق الماشية، خاصة قبل عيد الأضحى، وهذا ما يناقد تصريحات الحكومة القبلية بالبرلمان. نفس الأمر عندما تحدثت عن أسعار الكهرماء وقالت في البرلمان بالحرف: ربما قد نكون الدولة الوحيدة في العالم التي لم ترفع أسعار هاتين الخدمتين على المواطنين رغم تهديدات الأزمات الأخيرة. إنه البهتان المبين وكأن الحكومة لا تعيش في هذا البلد الأمين. فبماذا تفسر الحكومة الفرار من الضبط والتسقيف؟ لماذا لم تتعامل مع الحماية الاجتماعية بمفهوم المنظومة؟ بماذا نفسر تراجع الادخار والاستهلاك عند الطبقة المتوسطة حتى أصبحت ما دون المتوسطة؟ وكيف انتقلت الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الهشة؟ كيف يعاني رجال ونساء الأعمال الغيورون على الوطن من الإقصاء من المشاركة لاعتبارات عائلية وحزبية؟ لماذا ظلت أسعار النقل مرتفعة رغم الدعم؟ وأخيرا يطرح سؤال الأثر على الأحوال المعيشية وليس الكم؟
لقد اختفت 78 في المئة من القمح والشعير خلال العقود الأخيرة. مما طرح سؤال السيادة الغذائية، والأصناف المحلية للشعير والقمح. لقد أنعم الله تعالى علينا بأمطار الخير مما جعل الموسم جيدا، لكن من أجل إبعاد المنتوج المحلي تدعي بعض الدراسات إلى أن المنتوج المغربي لا تتجاوز فيه نسبة البروتين 10.5 في المئة؟ والحد الأدنى هو 11.5 في المئة، إضافة إلى تعطيل عملية الحصاد بحجة غياب اليد العاملة والاشتغال بعيد الأضحى ومحدودية الوسائل، فهل كل هذا يخدم الفلاح المغربي البسيط أم أن النية مبيته من أجل دعم المستورد على حساب المنتوج المحلي؟
إضافة إلى هذا، هناك الغلاء الفاحش للحوم الحمراء بعد عيد الأضحى، وللإشارة فإن حوالي 25 في المئة لم يشتروا الذبيحة نظرا للظروف القاهرة، والهشاشة الاجتماعية الناتجة عن غياب العدالة والإنصاف ومراعاة الكرامة الإنسانية مما ولد احتقانا سياسيا. لقد برروا غلاء اللحوم إلى محدودية العرض المحلي، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والشحن، لكن أين دور الحكومة في إحداث التوازن، لأنه لأول مرة يقع هذا الغلاء على مستوى التقسيط، كما نلاحظ غياب التنسيق بي السياسات المالية والسياسات الزراعية.
لقد بدأت الحكومة في تعديل بعض القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية استعدادا للاستحقاقات الترابية سنة 2027. لكن هذا الإصلاح انطلق من سوء التدبير الذي غلب على معظم الجماعات الترابية بالمملكة، والأصل هو تبني رؤية إصلاحية موضوعية توازن بين اللامركزية واللاتمركز الإداري في إطار التوازن والتعاون. والرفع من قيمة الموارد البشرية والمالية لهذه الجماعات حتى لا تظل رهينة الدعم الحكومي الذي يقدر ب 12 مليار درهم سنويا على مستوى جهات المملكة.
هذا الموضوع يدفعنا إلى الحديث عن سؤال الحياد في الاستحقاقات التشريعية والترابية؟ انطلاقا من مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع.
نخلص من هذا أن العمل الحكومي يفتقر إلى البوصلة، تجلى إضافة إلى ما سبق في العطب الحاصل في مجالي الشغل والمنافسة، لقد قدر العجز السنوي سنة 2024 في 370 ألف، وبلغت نسبة البطالة إلى 13.1. كما تم انخفاض نسبة النساء النشيطات إلى 19 في المئة، وتدعي الحكومة بأنها ترتقي بمستوى عيش المغاربة والاستجابة لتطلعاتهم هو البوصلة الحقيقية لتدخلات الحكومة. لكن الواقع يكذب هذا، إنه القمة في النفاق السياسي.
يمكن أن نسقط قولة فرانسيس فوكو ياما على واقعنا المعيش عندما صرح بأن النظام العالمي يعاني من مشكلة الحكم والإدارة. لذلك نتمنى أن تكون الاستحقاقات المقبلة التشريعية والترابية في مستوى مواجهة التحديات وتصحيح الأخطاء السابقة والمتراكمة خاصة وأن الدولة خصت 450 مليون درهم لتمويل الحملات الانتخابية، بالمقارنة مع 2021 التي قدرت ب 160 مليون درهم. كما نؤكد على جميع الأطراف المعنية الحضور الفعلي الإيجابي في هذه اللحظة الحرجة.





