
بقلم عزيز الدروش
على امتداد قرنٍ أو يزيد، قدّم الغرب نفسه باعتباره حارس القيم الكونية: الديمقراطية، حقوق الإنسان، حرية التعبير، كرامة الفرد، المساواة، حقوق المرأة، وحتى حقوق الحيوان. غير أن الأحداث المتتالية، من فلسطين إلى العراق، ومن ليبيا إلى السودان، ومن أفغانستان إلى غيرها، كشفت مفارقة صارخة بين الخطاب والممارسة. فحين تتقاطع القيم مع المصالح، تنتصر المصالح، وتُدفن القيم تحت ركام الجغرافيا والسياسة.
منذ وعد آرثر بلفور سنة 1917، مروراً بالاحتلالات العسكرية المباشرة وغير المباشرة في العالم العربي والإسلامي، وصولاً إلى دعم غير مشروط لكيان إسرائيل في حربه على غزة، يتضح أن منظومة القيم المعلنة لم تكن سوى أداة ضغط تُستعمل انتقائياً. تُرفع في وجه خصم سياسي، وتُخفض حين يتعلق الأمر بحليف استراتيجي.
لقد رأى العالم، بالصوت والصورة، أطفالاً يُقتلون ونساءً يُهجَّرن وشيوخاً يُقصفون، ورأى في المقابل صمتاً رسمياً غربياً، أو تبريراً باسم حق الدفاع عن النفس”. هنا يسقط الادعاء الأخلاقي. لأن القيم لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تُقاس بلون البشرة أو هوية الضحية.
قال الله تعالى:
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ (البقرة: 11-12)
هذه الآية تكشف منطق التبرير الذي رافق مشاريع التدخل العسكري تحت شعار نشر الديمقراطية. في العراق، سقط النظام، لكن سقطت معه الدولة وتفككت المؤسسات، وفتح الباب أمام الفوضى والاقتتال. في ليبيا، تحوّل شعار حماية المدنيين إلى انهيار شامل. وفي السودان، ظل الصراع يُدار في صمت دولي ثقيل، لأن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية تحكم المعادلة.
إن الغرب الذي يتحدث عن حرية الشعوب، هو ذاته الذي دعم أنظمة استبدادية حين كانت تخدم توازناته. وهو الذي سوّق للعولمة بوصفها قدراً إنسانياً، بينما كانت في كثير من الأحيان إعادة توزيع للثروة من الجنوب إلى الشمال.
قال رسول الله ﷺ:
اتقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب (رواه البخاري ومسلم)
والتاريخ يعلمنا أن الظلم لا يدوم، وأن موازين القوة تتغير. فالإمبراطوريات التي ملأت الأرض ضجيجاً انتهت إلى صفحات في كتب التاريخ. واليوم، مع صعود قوى دولية جديدة، ومع وعي شعبي متزايد في العالم العربي والإسلامي، تتعرض الهيمنة الغربية لاختبار حقيقي.
أما الادعاء بأن المعركة هي ضد الإرهاب أو التطرف، فقد تبيّن أنه في كثير من السياقات كان غطاءً لصراع نفوذ، لا صراع قيم. الإسلام، كدين وحضارة، لم يختفِ رغم قرون من الاستعمار والتشويه الإعلامي. بل إن حضوره الروحي والثقافي يتجدد.
قال تعالى:
يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (الصف: 8)
إن ما يحدث اليوم أعاد طرح سؤال جوهري: هل القيم الكونية ملكٌ لمن يملك القوة العسكرية والإعلامية، أم أنها مبادئ ثابتة تُقاس بعدالة التطبيق؟
إن ازدواجية المعايير، حين تُفضَح أمام الرأي العام العالمي، تسرّع في تآكل الشرعية الأخلاقية لأي قوة مهما بلغت سطوتها.
غير أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل فكرية وأخلاقية أيضاً. المطلوب ليس خطاب كراهية مضاد، بل بناء نموذج حضاري عادل في بلداننا: عدالة اجتماعية حقيقية، كرامة للمواطن، شفافية في الحكم، واحترام فعلي لحقوق الإنسان من داخل مرجعيتنا الثقافية والدينية.
فالغرب ليس كتلة واحدة، وفي داخله أصوات حرة تندد بالسياسات الرسمية، كما شهدنا في جامعات ومدن عديدة. والصراع الحقيقي ليس بين شعوب، بل بين منطق الهيمنة ومنطق العدالة.
ختاماً، إن سقوط الأقنعة لا يعني نهاية التاريخ، بل بداية وعي جديد. والرهان اليوم ليس فقط على كشف تناقضات الآخر، بل على قدرتنا نحن على تقديم البديل الأخلاقي والسياسي الذي يجمع بين الإيمان والعدل، بين القوة والرحمة، بين السيادة والكرامة.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ (النحل: 90)
فالعدل هو المعيار، وهو الامتحان الحقيقي لكل أمة، شرقاً كانت أو غرباً.
عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي





