مجرد رأي

الفاهم يفهم ..”بين التوقيع والتنفيذ: لماذا تفشل بعض الشراكات الجمعوية في بلوغ أهدافها؟”

“الشراكة المعطلة: عندما تبقى الاتفاقيات حبيسة الرفوف”.

حين يتوقف التوقيع عند حدود الورق: قراءة في أسباب عدم تفعيل الشراكات الجمعوية

تُعتبر الشراكة من أهم الآليات التي يعتمدها العمل الجمعوي الحديث لتوحيد الجهود وتبادل الخبرات وتعبئة الموارد خدمةً للأهداف المشتركة. غير أن الواقع الميداني يكشف أحياناً عن مفارقة لافتة تتمثل في وجود اتفاقيات شراكة موقعة بين الجمعيات دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، فتظل مجرد وثائق محفوظة في الأرشيف بدل أن تتحول إلى مشاريع وبرامج وأنشطة يستفيد منها المجتمع.

إن عدم تفعيل الشراكة لا يعني بالضرورة فشل فكرة التعاون في حد ذاتها، بل قد يعكس وجود اختلالات على مستوى التصور أو التدبير أو التواصل. فغالباً ما يتم توقيع بعض الشراكات بدافع الحماس أو الرغبة في إظهار الانفتاح على التعاون، دون إعداد خطة عمل واضحة تحدد الأهداف والبرامج والآجال الزمنية والمسؤوليات الموكولة لكل طرف. وعندما تغيب هذه العناصر الأساسية، تصبح الاتفاقية مجرد إعلان نوايا يصعب ترجمته إلى إجراءات عملية.

ومن بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى جمود الشراكات ضعف التواصل بين الأطراف المعنية بعد مرحلة التوقيع. فالتعاون لا يقوم على التوقيع وحده، بل يحتاج إلى لقاءات دورية وآليات للتنسيق والتتبع وتقييم الإنجازات. وعندما ينقطع التواصل أو يضعف، تتراجع دينامية الشراكة تدريجياً إلى أن تفقد فعاليتها بالكامل.

كما أن اختلاف الرؤى والأولويات بين الجمعيات الشريكة قد يؤدي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاقية. فقد ينظر كل طرف إلى الشراكة من زاوية مختلفة، أو يسعى إلى تحقيق أهداف لا تتطابق تماماً مع أهداف الطرف الآخر، مما يخلق حالة من التردد أو سوء الفهم تؤثر سلباً على مسار التعاون. لذلك فإن نجاح أي شراكة يقتضي وضوحاً في الرؤية وتوافقاً حول الأهداف والوسائل والنتائج المنتظرة.

ولا يمكن إغفال العامل المرتبط بالموارد البشرية والمالية، إذ إن بعض الجمعيات توقع اتفاقيات شراكة تفوق قدراتها التنظيمية أو إمكانياتها المادية، فتجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها. كما أن الاعتماد على أشخاص بعينهم دون بناء مؤسسات قوية يجعل الشراكة رهينة بوجود هؤلاء الأشخاص أو غيابهم، وهو ما يتعارض مع مبدأ الاستدامة المؤسساتية.

ومن جهة أخرى، قد تتحول بعض الشراكات إلى مجرد وسيلة للحصول على مكاسب رمزية أو تعزيز الصورة المؤسساتية دون وجود إرادة حقيقية للعمل المشترك. وفي هذه الحالة يصبح التوقيع هدفاً في حد ذاته، بينما يغيب الاهتمام بالتنفيذ والتتبع والتقييم، فتفقد الشراكة جوهرها التنموي وتتحول إلى ممارسة شكلية لا تترك أثراً يذكر.

إن معالجة هذه الإشكالات تقتضي الانتقال من ثقافة “توقيع الاتفاقيات” إلى ثقافة “تدبير الشراكات”. فالشراكة الناجحة هي التي تتوفر على برنامج عمل واضح، ولجان للتنسيق والتتبع، ومؤشرات لقياس النتائج، وجدولة زمنية دقيقة للأنشطة، وآليات دورية لتقييم مستوى الإنجاز وتصحيح الاختلالات عند الحاجة.

وفي النهاية، يبقى نجاح الشراكة رهيناً بمدى توفر الإرادة الحقيقية لدى الأطراف المتعاقدة للعمل المشترك بروح المسؤولية والثقة والاحترام المتبادل. فالتوقيع هو بداية الطريق وليس نهايته، أما القيمة الحقيقية للشراكة فتُقاس بما تحققه من أثر ملموس في خدمة الإنسان والتنمية والمصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى