24 ساعةأحزابالواجهةعالم السياسة

الليبرالية المتوحشة من الجشع إلى اسقاط النظام ، من المسؤول عن هذا المسار الخطير ؟

بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

في زمن تتصاعد فيه معاناة فئات واسعة من الشعب المغاربة، لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري باعتباره مجرد اختلالات عابرة أو أخطاء تدبيرية معزولة. ما نعيشه اليوم في المملكة المغربية يطرح، بحدة غير مسبوقة، سؤال طبيعة الخيارات الاقتصادية والسياسية المعتمدة، وحدود مسؤولية الفاعلين الحقيقيين في توجيه بوصلة الدولة.

لقد دخل المغرب، خلال السنوات الأخيرة، مرحلة دقيقة تتسم بتغوّل منطق السوق على حساب منطق الدولة الاجتماعية، في ظل سياسات تقودها حكومة يرأسها عزيز أخنوش الليبراليالمتوحش، حيث تم تحرير الأسعار بشكل واسع، ورفع الحماية عن القدرة الشرائية حكومة بنكيران والعثماني، وترك المواطن في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء غير مسبوقة و الممنهجة، دون آليات فعالة للحماية أو الضبط.

هذا التحول لم يكن بريئاً في نتائجه. فبدل تحقيق التنمية الموعودة، أفرز واقعاً مشحوناً بالاحتقان، تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، وتُستنزف فيه الطبقة الوسطى، بينما تواصل أقلية اقتصادية راكمت ثروات ضخمة بطرق غير شرعية و أخلاقية تعزيز مواقعها داخل دوائر القرار. وهنا لم تعد الليبرالية مجرد خيار اقتصادي، بل تحولت إلى ليبرالية متوحشة، تُدار بعقلية الريع والاحتكار، وتفتقر لأي بعد اجتماعي أو وطني.

إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الفشل الاقتصادي، بل في المآلات السياسية والاجتماعية لهذه الاختيارات. فعندما يشعر المواطن بأن الدولة لم تعد تحميه، وأن المؤسسات لا تنصفه و تستنزف أمواله ، وأن الثروة الوطنية تُحتكر من طرف فئة محدودة، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة، وهي أخطر ما يمكن أن تفقده أي دولة.

من هنا، يبرز تحليل سياسي متنامٍ يعتبر أن استمرار هذا النهج، سواء عن قصد أو نتيجة تغليب المصالح الضيقة، قد يخلق شروطاً موضوعية لإضعاف الدولة من الداخل. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط فقط بفعل التدخلات الخارجية، بل حين تتفكك جبهتها الداخلية، ويُدفع مجتمعها نحو اليأس والاحتقان.

إن ما يُثير القلق أكثر هو أن هذا المسار يتم في ظل صمت أو عجز واضح من طرف عدد من الفاعلين السياسيين. فبعض الأحزاب، التي كان يفترض أن تكون صوت المواطنين، اختارت الاصطفاف أو التواطؤ أو الانتظار. كما أن جزءاً من العمل النقابي فقد استقلاليته، في حين أن بعض وسائل الإعلام تخلت عن دورها الرقابي، مفضلة القرب من مراكز النفوذ على حساب الحقيقة.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح من المشروع طرح السؤال الحاد: هل يخدم هذا المسار مصلحة الوطن، أم أنه يفتح الباب أمام إضعافه؟

لا يمكن الجزم بوجود نية واعية لإسقاط النظام، لكن المؤكد أن السياسات التي تُفقّر المجتمع، وتُعمّق الفوارق، وتُضعف الثقة، تخلق بيئة خصبة لكل أشكال الاضطراب، وهو ما قد تستغله قوى مختلفة، داخلية أو خارجية، لخدمة أجنداتها.

إن حماية استقرار المغرب لا يمكن أن تتم عبر الخطاب وحده، بل عبر إجراءات ملموسة تعيد الاعتبار للعدالة الاجتماعية، وتضع حداً لتغول المصالح الخاصة. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات، وفي مقدمتها القضاء، لفتح تحقيقات جدية وشفافة حول شبهات الاحتكار، وتضارب المصالح، ونهب المال العام، مع تفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن الحاجة ملحة اليوم لإعادة الاعتبار للعمل السياسي النبيل، القائم على التأطير والاقتراح والدفاع عن المواطنين، بدل الاكتفاء بالأدوار الشكلية. فالمغرب لا يحتاج إلى واجهات سياسية، بل إلى قوى حقيقية قادرة على حماية التوازنات الاجتماعية وصون المصلحة الوطنية.

إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو تطبيع المجتمع مع الظلم، واستسلامه للأمر الواقع. فالدولة القوية لا تُقاس فقط بمؤسساتها، بل بمدى ثقة مواطنيها فيها، وبقدرتها على تحقيق الكرامة والعدالة لهم.

في النهاية، يمكن القول إن الليبرالية المتوحشة، حين تنفلت من كل ضابط أخلاقي واجتماعي، لا تهدد فقط الاقتصاد، بل قد تتحول إلى عامل إضعاف للدولة نفسها. لذلك، فإن اللحظة الراهنة تفرض يقظة وطنية شاملة، تعيد تصحيح المسار، قبل أن تتحول الاختلالات إلى أزمات بنيوية يصعب احتواؤها.

فالوطن لا يُبنى بمنطق الغنيمة، بل بمنطق العدالة.

 

 

 

من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.

 

 

 

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

عبد السلام حكار

عبد السلام حكار مدير الموقع وصحفي منذ 1998 عضو مؤسس بالتنسيقية الوطنية للصحافة والإعلام الإلكتروني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى