الواجهةمجرد رأي

“اللي يحسب بوحدو يشيط ليه”

اللي يحسب بوحدو يشيط ليه
حول وصفة “الشباب المستقلين” والتحصين الاستباقي للفساد الانتخابي

امحمد الهلالي
لقد أبدع المغاربة في امثالهم وحكمهم للتعبير عن طريقتهم في ادراكهم للاشباء ومن ذلك مقولة اللي يحسب بوحدو يشيط ليه الحساب .

وهذا المثل يصدق تماما على “الحسبة” التي يجريها وزير الداخلية في محاولته للتذاكى والتلاعب في الان ذاته على جيل زيد وعلى الاحزاب السياسية معا وفي ضربة واحدة .

لقد اراد ان يقول لمن تبقى من الشباب خارج السجن ان بامكانهم الولوج الى البرلمان وحتى للحكومة لمباشرة تنزيل مطالبهم والعمل على اصلاح الصحة والتعليم وتوفير مناصب الشغل للشباب العاطل .

فبعد ان نجحت السلطوية في تحوير خطاب الدعوة الى حل الاحزاب الفاسدة فقك الى سخط عام على جميع الاحزاب ووضعها في كفة واحدة، تسعى السلطة الى تقديم عرض سياسي جديد يظهر بمظهر المستجيب لمطالب الشباب الكاره للسياسة والساخط عن الاحزاب باعتبارها، كما قدمت له، اصل الداء ومصدر البلاء وسبب الفشل الديموقراطي والعجز التنموي والفساد المستشري وسببا لافلاس المرافق العامة وتدني الخدمات التياسبة في الصحة والتعليم والشغل.

وهذا ما يفسر ما جاءت به القوانبن التنظيمية والقاضية من جهة بمحاولة احتواء الشباب عبر احراءات تحفيزية واغرائية وفي نفس الوقت السعي الى تحصين الفساد الانتخابي ضد اي “تشكيك” وتوفير حصانة للمرشحين ضد اي “تشهير” خاصة خلال المرحلة القادمة .

لقد جاء هذا العرض السلطوي خارج ما تم التشاور بشأنه وخاصة في قضية استدراج الشباب وتحصين اللفساد الانتخابابي، فمن جهة قدم الجزرة للشباب والعصا للاحزاب من خلال اعفاء الشباب من عقبة التزكية المستعصية عليهم بسبب ارتفاع عتبة المعايير الصارمة عند الاحزاب الجادة وبسبب ارتفاع المبالغ المالية اللازمة لشرائها لدى الدكاكين السياسية؛ كما تم اعفاهم من عقبة تمويل الحملات الانتخابية وضعف الحظوظ في منافسة الاعيان الذين يشترون الاصوات اللامة لضمان دخولهم رفقة بناتهم وزوجاتهم في اللوائح الجهوية .

اما اتجاه الاحزاب السياسية والى جانب التشريع لمسارات موازية للها من اجل الممارسة السياسة بدون احزاب او عبر احزاب جديدة ميسرة الانشاء وسهلة الولوج من طرف الاجيال الصاعدة، فقد تم الانقلاب على الكلام الشفوي المعسول الذي دغدغ به وزير الداخلية اسماع ممثلي الاحزاب فور انطلاق ما سمي مشاورات سياسية حول اعداد المنظومة الانتخابية حيث اسمعهم ما يحبون سماعه من شعارات حول نزاهة وشفاية وصدقية الانتخابات وتخليق العملية الانتخابية،
غير ان هذا الخطاب لم يعمر طويلا حيث ظهر ان المقصود منه فضلا عن هدف الاستهلاك وتنويم بعض الاحزاب لتفادي التشويش على انطلاق المشاورات؛ كان هو السعي الى تامين المرورة الهادئ لعملية استرجاع وزارة الداخلية للاشراف السياسي على الانتخابات واكمال انتزاعها من رئاسة الحكومة والتي هي في الجوهر انتزاع لها من سلطة الاحزاب واعادتها الى الجهاز السلطوي .

من هنا فان ما يحري لهذا الصدد ليس له من توصيف سوى التحايل على الاحزاب والتلاعب بجيل زيد .

فهو تحايل على الاحزاب لضمان صمتها عن اهم قضية في الاعداد للانتخابات وهو الاشراف السياسي واسترحاع سلطة القرار بخصوص مضامين الاصلاح السياسي والانتخابي في عملية ممنهكة لافراغ دستور 2011 مما تبقى من مكاسب ديموقراطية .

وهو تلاعب بحراك الشباب للتغطية عن اوسع عملية اعتقال سياسي للشباب وما يشهدع حرامهم من قمع واستعمال القضاء لتصفية واحد من انبل الاحتجاحات الشبابية واكثرها سلمية وواقعية في مطالبها وفي سقف شعاراتها ودعبر توزيع مائات السنوات من الاحكام الجائرة على الشباب الموقوف والمتابع على خلفية الاحتحاج، ومحاولة الصاق اعمال العنف والتخريب المريبة بهم وبحراكهم .

وتبعا لذلك فقد تراجعت مشاريع القوانين التنظيمية عن الوعود المقدمة في اللقاءات الاولى للمشاورات مع الاحزاب وعوض ترجمتها في قواعد قانونية آمرة وضمانات سياسية وتشريعية ذات مصداقية تم تشريع قواعد مريبة لتحصن الفساد الانتخابي وتكميم الافواه لمنع التشكيك في نزاهة الانتخابات رغم ما يرافق اعدادها من مؤشرات مشككة ومنها بقاء نفس الشروط واغلب القواعد التي حكمت تنظيم افسد انتخابات شهدها المغرب في العهد الجديد.

فهل يتعلق الامر بالاعداد لوصفة اخرى بعد سقوط وصفة الثامن من شتنبر 2021 والتي اشرف على تنزبلها نفس وزير الداخلية المكلف بالاشراف السياسي على الانتخابات المقبلة ؟
وهل هذه الوصفة تسعى الى الاعتماد على “أحرار” الشباب والشباب “المستقل” عوضا عن الاحزاب في عملية هندسة سياسية وانتخابية تريد ان تعيد انتاط حزب السلطوية بالجمع بين تجربة حزب التجمع الوطني للاحرار في نهاية السبعينات وحزب البام في نهاية العشرية الاولى من العهد الجديد تمهيدا لحكومة المونديال .

وهل هذا يعني نهاية الرهان على الهندسة الحزبية للعهد الجديد في شقها المتعلق بالجناح الحزبي للتحكم وفي شقها المتعلق بالجناح الحزبي للافتراس الاقتصادي الاجتماعي بعد فشل وصفة التمديد لحكومة الافتراس وتضارب المصالح ولو براس اخر او حزب من نفس الترويكا المفترسة ؟.

لقد كانت المؤشرات واضحة من الوهلة الاولى لهذا المسار النكوصي منذ ان جاء بلاغ الاجتماع الاول مع الاحزاب خال من الكلام الغليظ الذي فاه به وزير الداخلية امام الاحزاب والذي يبدو انه كان مجرد حماس زائد بعد سماع الخطاب الملكي في الموضوع قبل ان تتدخل مسامر الميدة في الجهاز لاعادة ضبط الايقاع على سلم التقاليد السلطوية.

وقد تكرس هذا الامر بشكل لا لبس فيه في ما رشح من معلومات عن اللقاءات التشاورية الموالية حيث تم رفض جل المطالب الاساسية الهادفة الى القطع مع القوانين والاحراءات التي كانت السبب فيما شهده الانتخابات الاخيرة من تزوير فاضح بما فيها استمرار نفس المسؤولين على ما جرى واستمرار موقف الرفض لمراجعة القاسم الانتخابي ورفض المساس باللاوائح الانتخابية المغشوشة ورفض اعماد التسجيل التلقائي على اساس البطاقة الوطنية ورفض المساس بالتقطيع الانتخابي المختل للدوائر في تمثيل المواطنين ورفض كل المطالب المتعلقة بابعاد موظفي الجهاز السلطوي عن رئاسة مكاتب التصويت .

كما تم رفض تجريم عدم تسليم المحاضر وتم رفض الفصل بين سلطة الاشراف وسلطة التنفيذ على الانتخابات وتركها مركزة في يد جهاز واحد غير محايد ومعاد للاحزاب ومبخس للسياسة كما تم رفض المطالب المتعلقة بمراقبة العملية الانتخابية .

وباستثناء بعض الاجراءات الرامية الى تخليق الترشيح والتي تهدف الى معالحة شوهة نخب الثامن من ستنبر وما وصل اليه حجم المتابعين والمعتقلين متهم على ءمة قضايا فساد واختلاس ومخدرات، فان الانتخابات القادمة كانت ستجري بنفس الشروط والتداببر التي جرت في ظلها انتخابات 8 شتنبر 2021 اشرافا وتنظيما وغياب ضمانات وطبعا لن تعطي نفس المقدمات والشروك نتائج مغايرة .

لكن ما فات وزير الداخلية هو انه يفتح بمقاربته هاته الباب واسها امام خيارات لن يستطيع التكهن بمآلاتها.

فالساحة ليست حكرا على الشباب المستقل بالمعنى الذي تهواه السلطة والذين يصنعون على اعين النافذين ويقدمون على انهم مؤثرين عبر الدوباج وان الميدان يعج باصناف من الشباب المستقل فعلا لا ادعاء وهو شباب يمتلك قدرات ومؤهلات اكثر تنافسية .

وفاعلية هؤلاء الشباب وحجم تاثيرهم يظهر بجلاء في التظاهرات والحراكات الاجتماعية وبسبب فاعليتهم تكون بعض الجهات العصية على الخضوع موضوع اتهام داىمة بتحريضهم عقب كل فعل احتجاحي شعبي وازن سواء كان هذا الاحتحاح فئوي او مهني او جيلي وهذه الجهات التي تتهمها السلطة هي الاكثر استثمارا لهاته الفرصة اذا فتحت بشكل جدي والعمل على قلب المعادلة ونسف رهاناتها من الاساس وتحويلها من رهان سلطوي الى فرصة منتجة لصالح الاختيار الديموقراطي.

فالشباب الاوفر حظا والاقدر على المنافسة السياسية هم من يصنعون انفسهم بعيدا عن السلطوية واغراءاتها وفي احضان التيارات المجتمعية الجادة والمناهضة للفساد والاستبداد من مختلف الانتماءات المتجدرة شعبيا من السلفيين الى القاعديين الى العدليبن وغيرهم من التيارات المتناكفة مع السلطوية والاعيبها .

وفي هذه الحال نتساءل كيف سيكون رد فعل وزير الداخلية عندما يجد نفسه امام شباب منتخب باسم المستقلين لكنهم غير قابلين للترويض وتكون لهم الامكانية في تعطل فرز عملية الحزب المتصدر للانتخابات وعلى اساس نتائجها من تشكيل اغلبية سياسية قادرة على فرز حكومة وفقا للدستور؟.

كيف سيتعامل وقتئذ عندما يجتمع عليه شباب من العدل والاحسان والبديل الحضاري وحزب الامة والشباب السلفي وشباب النهج الديموقراطي والشباب التروتسكي وشباب البرنامج المرحلي مع شباب الاحزاب الجادة في الاغلبية والمعارضة.

هل احتسب وزير الداخلية هذه الحسبة ام راحت عليه و”شاطت” له من الحساب؟ مجرد سؤال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى