المؤرق المحرق في نشر جيش المشرق “الجيش الجزائري مثال”

بقلم أبو أيوب

    دسترة مشاركة الجيش الوطني الشعبي الجزائري خارج حدود البلد تجري على قدم و ساق ، فلسفة النشر و المشاركة قطعت معها الشقيقة الشرقية منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي ، بالضبط منذ سنة 1976 بمناسبة التصويت على الدستور الجديد في عهد الرئيس الهواري بومدين ، و هذه المشاركة ليست وليدة اليوم بل تعود لسنوات خلت ، كيف تم ذلك و لماذا و ما هي بواعثه و دوافعه ؟ هذا ما سوف نستطلعه في عجالة .

    من المعلوم أن الجيش الجزائري شارك في عدة بعثاث للسلام تحت راية القبعات الزرق بتوصية من الأمم المتحدة ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ، حرب الكومبدودج و اللاووس بالهند الصينية ، ثم الحرب الأهلية التي عاشتها دولة أنغولا بالقارة الإفريقية ..، لكن أبرز مشاركة له خارج التراب الجزائري هي التي جاءت ضمن التضامن و التآزر العربي تحت يافطة جامعة الدول العربية ، إبان الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967 في عهد زعيم القومية العربية المرحوم جمال عبد الناصر ، و أثناء حرب أكتوبر سنة 1973 في عهد الرئيس “المؤمن” أنور السادات ، توقيعه على انتفاقية كامب دافيد و ما تلاها من زيارة إسرائيل و خطابه بالكنيست أجج الوضع الداخلي ، و فاقم العربي لتكون النتيجة عملية اغتيال المنصة و تولية نائبه حسني مبارك زمام السلطة …

    حرب أكتوبر 1973 هي الحرب التي قصمت ظهر التضامن العسكري العربي و كانت سببا في عزلة مصر عربيا ، و هو ما تسبب في نقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى تونس العاصمة و مقاطعة نظام أنور السادات . حرب وضعت حدا للمشروع العربي و دقت إسفينا في الصناعات الحربية بين مصر و سوريا . خذلان السادات و خيانته لما اتفق بشأنه بينه و الدول المشاركة في الحرب “العراق/سوريا/ الجزائر…..” ( لا توقف للحرب إلا بعد استكمال تحرير الأراضي العربية المحتلة و في مقدمتها فلسطين بحدودها المعترف بها أمميا ، حدود 1967 بعاصمتها القدس الشرقية ) ، خيانة عجلت بضجر سوريا و قلق العراق …، و نفور الجزائر من أية مشاركة في الحروب خارج ترابها الوطني ، لتضع حدا لذلك في دستور 1976 ثلاث سنوات قبل إعلان وفاة الهواري بومدين ، فما الذي تغير اليوم كي تغير الجزائر من عقيدتها العسكرية ؟

    المتتبع للسياسات الإقليمية و الجهوية بخاصة الوضع في شمال غرب إفريقيا ، يلاحظ انكفاءة الديبلوماسية الجزائرية منذ بداية العهدة الثالثة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة على إثر المرض الذي أقعده الكرسي ، و معها دب الفساد في كل دواليب الدولة بخاصة في قطاع الغاز و النفط عصب الإقتصاد ، ملايير الدولارات نهبت و هربت خارج البلاد مما خلق أزمة حكم و أزمة اقتصاد لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجزائر ، تسارعت وتيرتها إبان العهدة الرابعة بفعل طغيان أخ الرئيس المعتقل حاليا و زمرة من رجال المال و الأعمال و بعض الجنرالات “تضخيم فواتير الإستيراد/ فرملة إنجاز مشاريع عملاقة مع ألمانيا و الصين من طرف الطابور الخامس، رجالات فرنسا ، مثال” . مرض الرئيس و غيابه عن الساحة و الدفع به إلى تصدر الواجهة من خلال ترشيحه لعهدة خامسة أفاض الكأس و أجج الإحتقان الإجتماعي ، إحتقان و أزمة إقتصادية عجلا ببروز حراك سلمي شعبي ينشد التغيير ….

    رجوع الديبلوماسية الجزائرية إلى سابق عهدها و بداية استرجاعها لزخمها المعتاد ، بعد انتخاب الرئيس الجديد عبد المجيد تبون ، و الطفرة النوعية التي عرفها جيشها الوطني الشعبي تسليحا و تدريبا ، لا سيما بعد اجتثات جنرالات فرنسا و إحالتهم على التقاعد أو الزج بهم في السجون “البشير طرطاق مثال” بعدما ثبت تورطهم في قضايا فساد و عمالة للخارج ، فسح المجال لتغييرات في دواليب الدولة لم يسلم منها أي قطاع ، و معها ظهرت الحاجة إلى تعديل دستوري عرضت مسودته على أنظار كل الفاعلين السياسيين و الإقتصاديين ….

    من البنود الأساسية للدستور الجديد المقترح ، إحجام الدولة عن قطاع النفط و الغاز كركيزة أساسية في اقتصاد البلاد ، البحث عن بدائل أخرى من ضمنها القطاع الفلاحي و جلب الإستثمار الخارجي ” الصين و إشرافها على توسعة ميناء الحمدانية بشرشال/ ألمانيا و مشروعها الإستثماري في الطاقات المتجددة ، ديزيرتيك مثال “، التقليص من حجم الواردات و تعويضها بالمنتوج الوطني ، أحداث منصب نائب رئيس الجمهورية و التنازل عن بعض صلاحياته للوزير الاول ، تشجيع الادمغة المهاجرة على العودة و المشاركة في بناء الجزائر الجديدة ، إعادة تشريع نشر الجيش خارج الحدود و التنصيص على مشاركته في عمليات السلام تحت قبعة الأمم المتحدة و الإتحاد الإفريقي بموافقة ثلثي أعضاء المجلس الوطني الشعبي ” البرلمان” …

    تشريع نشر و مشاركة الجيش الجزائري خارج حدود بلاده ، خطوة لم تنظر لها بعض الدول الأوروبية ” فرنسا مثال ” بعين الرضى ، توجسهم و تخوفهم نابع من احترافيته و قتاليته المعتبرة و تسليحه الجيد ، حيث احتل المرتبة 23 عالميا و الثاني إفريقيا و الثالث عربيا بحسب موقع غلوبال فاير باور المتخصص في شؤون الدفاع ، بترسانة حديثة و تقنيات متطورة من الجيل الرابع نذكر منها ( غواصات الثقب الأسود المجهزة بصواريخ كاليبر/ طائرات السوخوي 30 و 35 و الشبح 57 …./ بطاريات صواريخ الإس 300 و الإس 400 و صواريخ إسكندر / دبابات من مختلف الأحجام و التجهيزات…..) ما جعل منه قوة ضاربة إقليمية تتفوق في بعض الأحيان على مثيلاتها الأوروبية …، ما سبب انزعاج البعض و التصويب عليه لاختراقه أو إضعافه ” فرانس 24 مثال ” .

    لكن التخوف الكبير راجع من جهة ، إلى إمكانية مشاركته تحت يافطة الإتحاد الإفريقي في حالة نشوب حرب في الصحراء بين المغرب و جبهة البوليساريو ، و من جهة أخرى في حالة قيامه بإحداث قواعد عسكرية بالمناطق شرق الجدار المغربي بالصحراء ، بمسوغ اتفاقية الدفاع المشترك بين دولتين معترف بهما في الإتحاد الإفريقي ” الجزائر/ الجمهورية الصحراوية المزعومة” ، و هو ما يعطي للاتفاق أو نشر القوات الشرعية القانونية من منظور إفريقي ، من شأن هذا أن يحرج المغرب و يضعه أمام خيارين لا ثالث لهما : إما تقبل و هضم و تعايش مع أمر واقع ، بالتالي عليه الإمتثال لما وقع عليه بدون تحفظ ” القانون التأسيسي للإتحاد القاري ” قبل عودته للإنضمام لأسرته المؤسساتية…، أو الدخول في حرب إقليمية متعددة الأطراف تنتهي بالضرورة بتدخل الإتحاد الإفريقي و الأمم المتحدة ، هي حرب وجود و ليست حرب حدود بالنسبة للطرفين المتصارعين ، الخاسر الكبير فيها قد يكون المغرب من زاوية أن كلا من موريتانيا و الجزائر ، و من ورائهما الإتحاد الإفريقي يعترفون بشيء إسمه ” الجمهورية العربية الصحراوية ” كدولة قائمة الذات و ذات سيادة .

    أمران أحلاهما مر ، و لا مفر من مواجهة عسكرية مباشرة و لو محدودة في الزمكان لحلحلة الوضع المتجمد و الخروج من عنق الزجاجة ، على ضوء تحصن الأطراف المباشرة و تمترس المعنية بالنزاع وراء مقاربتها ….، أو كما قال أحدهم من كون الحرب خيارا و ممرا إجباريا لاستثباب الأمن و السلام في شمال غرب إفريقيا، فهل ينجر المغرب لحرب محدودة ؟ و من يكون الطرف البادئ بإشعالها ؟ و إلى مقال آخر بحول الله و مشيئته .

About هيئة التحرير

Leave a Reply

Your email address will not be published.

x

Check Also

صاحب الجلالة الملك محمد السادس عازم على إسماع صوت إفريقيا في مجلس أوروبا

صاحب الجلالة الملك محمد السادس  عازم على إسماع صوت افريقيا في مجلس أوروبا