المؤرق المحرق

بقلم أبو أيوب

    كل المؤشرات تشير إلى أن الكثير من الأمور ليست على ما يرام هذه الأيام، علاقات المملكة المغربية بمحيطها الإقليمي والجهوي والدولي لم يسبق لها أن وصلت إلى هذا الحد من التشنج والفتور، طابعها تذبذب وقطيعة ونفور في جانبها السياسي والإقتصادي والحقوقي داخليا وخارجيا، وإن بدرجات متفاوتة بعضها ممكن امتصاصها وتدويبها وأخرى تسبب عسر الهضم .

    مقال اليوم نستعرض من خلاله بعض الأوجه الدالة على صدقية الإدعاء ومصداقية الزعم بكل تجرد وموضوعية، بعيدا عن السياسة العاطفية أو الحس الإنتمائي أو لغة التخوين وغوغائية السياسي، الكل يهمه ما يتعرض له الوطن منذ سنوات قليلة ولكل منا نظرته للأحداث والمستجدات، لكن المؤكد أن القاسم المشترك لما يجري ويدور عنوانه أوحد لا يختلف فيه اثنان، عنوان تحت مسمى تطاول واستفزاز وتكالب وابتزاز قد ترقى لحالة اشمئزاز مما نحن علي اليوم .

  • الزيارة الملكية لفدرالية روسيا الإتحادية التي استبشرنا بها خيرا، وما صاحبها من توقيع اتفاقيات شراكة ومشاريع كثيرة لم تغير في الصورة شيئا يذكر، ولم تستطع ثني روسيا عن نهجها القديم الجديد وسياستها المتبعة على صعيد منطقة شمال افريقيا ، بحيث ظلت الاولوية و الاسبقية للعلاقات الثنائية الجزائرية/ الروسية على حساب علاقات الأخيرة مع المغرب لا سيما في موضوع الصحراء “نظرتها تجافي المقترح المغربي بمنح الإقليم حكما ذاتيا ….” .
  • الرهان المغربي الخاسر على زعيم المعارضة الفنزويلية السيد غوايدو والدعم الذي قدم له منذ اندلاع الأزمة، فضلا عن تلاقي النظرة المغربية مع الرؤية والمقاربة الأمريكية للأزمة في أمريكا اللاثينية، أرخت بظلالها على علاقات المغرب بروسيا دون تمكن البلد من جني أي شيئ في المقابل من عملية الإصطفاف هاته، فلا الإصطفاف دفع بالإدارة الأمريكية إلى تبني الطرح المغربي وبالتالي الدفع بالعلاقات إلى الأمام “فلحد الساعة لم يعين بعد سفير لأمريكا بالمغرب” ، ولا هو دفع بروسيا إلى إعادة النظر في تموقعها وتقاربها مع المغرب “اصطفاف المغرب يعتبر هدية لأمريكا بالمجان”، كما كان الأمر عليه في حالة حزب الله/ البوليساريو والقطيعة مع إيران” عداوة مجانية بدون مقابل لم تخدم المغرب في شيء على صعيد علاقته مع أمريكا” .
  • العلاقات المغربية الإماراتية تمر اليوم بأزمة صامتة تستفحل يوما بعد يوم رغم الإنكار الرسمي، استدعاء السفير الإماراتي لبلده قصد التشاور مرت عليه شهور ولم يعد بعد، الأخبار المسربة حديثا تفيد بتوتر جديد في العلاقات الثنائية على ضوء استدعاء كل الديبلوماسيين الرئيسيين لبلدهم، والاكتفاء فقط ببعض الموظفين الإداريين والعاملين من الصنف الثالث للسهر على شؤون السفارة، فبحسب المحللين السياسيين يتعلق الأمر بانعطافة 180 درجة لدولة الإمارات فيما له علاقة بموضوع الصحراء “نشر روبورتاجات معادية للمغرب على قناة العربية وقناة أبو ظبي”، فضلا عن ترجيح كفة موريتانيا اقتصاديا من خلال ضخ ملايير الإستثمارات في ميناء نواذيبو عوض الموانئ المغربية .
  • كذلك هو شأن العلاقات المغربية الموريتانية التي هي الأخرى تمر بحالة جمود وفتور منذ فترة طويلة، فتور على خلفية اعترافها الرسمي والعلني بأن لا حدود لها مشتركة مع المغرب، بالتالي اعترافها الرسمي بالجمهورية الصحراوية يقف حجرة عثرة في تطور العلاقات الثنائية مع المغرب، فضلا عن موقفها الأخير من أزمة معبر الكركرات وتساهلها مع التواجد العسكري لعناصر البوليساريو، سواء بشمال موريتانيا أو حتى بمدينة الكويرة وعلى سواحل الأطلسي .
  • وما ينطبق على هذا يسري أكثره على العلاقات المغربية ودولة جنوب إفريقيا رغم تعيين سفير مفوض فوق العادة وإعادة العلاقات بين البلدين … فجنوب إفريقيا اليوم تترأس الدورة الشهرية لمجلس الأمن الدولي بعدما استلمتها من روسيا، وفي سابقة من نوعها لمداولات المجلس شهر أكتوبر الحالي، خصصت أربع جلسات للنظر في مهام بعثة المينورسو وتطورات ملف الصراع على الصحراء بمبادرة من جنوب إفريقيا، بكل المقاييس السياسية والتحليلية تعتبر المبادرة غير بريئة لعلمنا المسبق بالموقف الرسمي الجنوب إفريقي من نزاع الصحراء، ومن المرتقب أن تدفع الرئاسة في اتجاه توسيع صلاحيات البعثة الأممية لتشمل مراقبة حقوق الإنسان بالإقليم، استنتاج من خلال ما جاء في كلمة وزيرة خارجية جنوب إفريقيا من على منصة الأمم المتحدة بمناسبة الدورة 74 المنعقدة مؤخرا .
  • بقاء اليد الممدودة المغربية صوب الشقيقة الجزائر مبسوطة إلى أجل غير مسمى ودون التفاتة أو جواب، زاد من تعميق توتر العلاقات الثنائية مع ارتفاع منسوب التصريحات المتشنجة والمعادية للطرح المغربي، والإتهامات المتبادلة بين الجانبين سواء ما تعلق منها بموضوع الصحراء أو ما تعلق بتعطيل مشروع الإتحاد المغاربي، فضلا عن مشكل المخدرات والهجرة الغير شرعية . كما أن بعض الملاحظين والمحللين يرون في خطاب الثكنات الذي ينتهجه قائد الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق كايد صالح، كونه خطاب يحمل أكثر من رسالة سواء نحو الجار الغربي “المغرب” أو الخصم الشمالي “فرنسا” . المناورات البحرية الأخيرة وبالدخيرة الحية ناحية وهران على الأبيض المتوسط رسالة تحذير لكل من يهمهم الأمر، حيث جرى إطلاق صواريخ مجنحة من غواصتين جزائريتين تجاه أهداف برية وأخرى عائمة .
  • ما أريد إخفاءه والتعتيم عليه تم كشفه اليوم وإخراجه للعلن، من جهة أولى السفير النيجيري بالجزائر يعلن عن تخلي دولة نيجيريا عن مشروع مد أنبوب الغاز نحو أوروبا مع الشريك المغربي، وتفضيلها للأنبوب العابر للصحراء عبر النيجر في اتجاه الجزائر ومن ثمة صوب أوروبا، إعلان شكل صدمة للجانب المغربي الذي عول عليه كثيرا ليبادر الأخير إلى إيفاد لجنة رسمية مغربية لتدارك الموقف، بحسب بعض التسريبات عادت بخفي حنين رغم التصريحات المطمئنة، المشروع كان قد حظي بتغطية إعلامية غير مسبوقة أثناء زيارة ملكية لدولة نيجيريا، بعض المراقبين يعزون توقف المشروع وعدم قابليته للتطبيق إلى الصراع على الصحراء واعتراف الأخيرة بالجمهورية المعلنة من طرف واحد، ومن جهة ثانية التلكؤ في الإستجابة للطلب المغربي بالإنضمام للمجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيداو”، تارة بذريعة التشاور ودراسة الطلب … وأخرى بذريعة أن المغرب ينتمي لشمال إفريقيا ولمنطقة الفضاء المغاربي .
  • علاقات المغرب ببعض الدول الأوروبية تشوبها نوازل وصواعد وتجادبات في أكثرية الأحيان، ترقى لقطيعة كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا وهولندا والدول الأسكندنافية سواء على خلفية حراك الريف وحقوق الإنسان أو من خلال ملف الصحراء وما يعرفه من تموجات . والتصريحات الأخيرة لبيدرو سانشيز رئيس الحكومة الإسبانية والداعمة لتوسيع صلاحيات البعثة الأممية، يمكن اعتبارها تحولا جوهريا من منطلق مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية والإدارية كمستعمر قديم للإقليم، فضلا عن ارتفاع أصوات عديدة على صعيد أوروبا تطالب فرنسا بالتنازل عن حق الفيتو لصالح الإتحاد الأوروبي، نجاح المسعى يشكل ضربة قاصمة للمملكة وللطرح المغربي لتسوية ملف الصحراء، كون فرنسا تعتبر الحليف التقليدي والداعم الأساسي للمغرب في المحافل الدولية .

    تسارع الأحداث وارتفاع وثيرة المستجدات المتعلقة بالمغرب ومعها تشتد الضغوط على البلد خلال الشهر الحالي، مسيرات الأمس لريفيي الدياسبورا ببروكسيل عاصمة الإتحاد الأوروبي تؤسس بحسب المحللين ، مدخلا مؤرقا للسياسة الخارجية المغربية و عاملا مشجعا لمسيرة باريس عاصمة الأنوار المقررة يوم 26 أكتوبر الجاري، حيث تنادى ريفيو المهجر إلى التواجد بكثافة فوق التراب الفرنسي من أجل إنجاح المسيرة، مسيرة من المؤكد أن تتخللها مطالب بإسقاط الجنسية وخلع البيعة كشكل من أشكال الضغط على فرنسا لإجبارها على تغيير سياساتها تجاه الحليف التقليدي، وبالتالي الدفع بها إلى ممارسة الضغوط من أجل إطلاق معتقلي الحراك . وبين المسيرتين مسيرة أخرى ذات معنى ومغزى من نوع آخر، يتعلق الأمر هذه المرة بمسيرة صحراويي المهجر التي برمجت يوم 12 من أكتوبر بباريس للمطالبة برفع يد فرنسا عن ملف الصحراء والكف عن دعمها ومساندتها للمغرب في صراعه مع الجمهورية المزعومة .

    في هذا الوقت بالذات وفي عز تصاعد الضغوط، انبرت بعض العقول المتحجرة والنفوس المتعطشة لسالف الأزمان وارتأت تفجير وافتعال أزمة أخرى هذه المرة على الصعيد الحقوقي “اعتقال الصحافية الآنسة الريسوني والحكم عليها بسنة نافذة بتهمة ممارسة الجنس خارج إطار الزواج …”، المضحك المبكي في الزوبعة كون المغرب يعج بآلاف الحوادث المشابهة أو الأكثر شدودا وبشاعة “دانيال مغتصب الأطفال/ قصة حب الوزير يتيم/ هيام النائب والنائبة عن العدالة والتنمية/ الغزوات الجنسية للشيخ الفيزازي …” وغيرها كثر من صنف فيديوهات القاصرين والقاصرات بجامع الفنا بمراكش، والأجنبي صاحب الرياض وحكاية تعليم الرقص والغناء وعرض الأزياء …

    أزمة فجرت رجة لتنطلق القهقهات عبر العالم على واقع غرائب المغرب من زاوية حقوق الإنسان والحق في الرأي والتعبير، وما لها من ارتدادات على الجانب الإقتصادي وعزوف المستثمرين تخوفا من آت مرتقب لا ينقصه سوى عود ثقاب، لنتساءل : أما حان بعد الأوان لارتقاء وانتقاء نخبة حاكمة مسيرة ؟ أم أن الأمور ستبقى على حالها إلى أن تقع الفأس في الرأس ؟ تساؤلات محرقة عن واقع مؤرق وعلى المحملق أن يرد قبل نفاذ صبر أيوب، أو كما تغنت ودندنت من أسهمت في تركيع وتنويم أمة، سيدة التنويم العربي صاحبة الكلثومين والثقلين في رائعتها “إنما للصبر حدود” .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاجر الريسوني تعانق الحرية بعد عفو ملكي

    تتبع الرأي العام المغربي بكثير من الاهتمام ملف الصحفية هاجر الريسوني، وسال كثير ...