*المجتمع المدني والمؤسسات العمومية.. هل تحولت الشراكة الدستورية إلى “حبر على ورق” في دهاليز الإدارة؟*

تتحرك عجلة التنمية في المجتمعات الحديثة بناءً على مدى التناغم والانسجام بين الفاعلين المؤسساتيين والقوى المدنية الحية، حيث لم يعد ممكناً لأي جهة، مهما بلغت إمكانياتها، أن تنفرد بتدبير الشأن العام وصياغة الحلول للتحديات الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة. إن الانتقال من مفهوم التدبير العمودي والتقليدي إلى منطق الشراكة الديمقراطية التشاركية أضحى ضرورة بنيوية لضمان نجاعة السياسات العمومية، وتنزيلها بشكل يلامس الاحتياجات الحقيقية للمواطنين على أرض الواقع، مما يفرض إعادة قراءة طبيعة العلاقة الرابطة بين المؤسسات التنفيذية والإقليمية من جهة، وتنظيمات المجتمع المدني من جهة ثانية.
وعلى الرغم من المكتسبات التشريعية والدستورية المتقدمة التي أرست مكانة العمل الجمعوي كشريك أساسي في تقييم وتتبع وتنزيل البرامج التنموية، إلا أن المسافة الفاصلة بين النص القانوني والممارسة الميدانية ما زالت تشهد نوعاً من التفاوت والتباين. ففي الوقت الذي تبدي فيه الدولة توجهاً واضحاً نحو الانفتاح وتسهيل قنوات التعاون، تبرز في كثير من الأحيان عقبات مسطرية وتأويلات بيروقراطية جامدة من طرف بعض الإدارات والمؤسسات العمومية، وهي ذهنيات تنظر إلى الفاعل المدني بنوع من التوجس أو الحيطة، عوض التعامل معه كقوة اقتراحية وميدانية قادرة على سد الفراغات وتقديم الدعم اللوجيستي والمعنوي، خاصة في القطاعات الحيوية التي تمس كرامة المواطن اليومية كالصحة والتعليم والبيئة.
إن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تختزل في مجرد بروتوكولات صورية أو اتفاقيات توضع على الرفوف لتأثيث اللقاءات الرسمية، بل هي التزام أخلاقي وتنموي متبادل ينبثق من وعي مشترك بحجم الخصاص والانتظارات. وتمتلك الجمعيات الجادة والمستقلة ميزة “قوة القرب”، التي تمكنها من رصد الاحتياجات بدقة وسرعة قد تعجز عنها التقارير الإدارية الجافة، مما يجعل مبادراتها لتوقيع اتفاقيات شراكة مع القطاعات العمومية والجهات الإقليمية خطوة استراتيجية لتجويد الخدمات وتحسين فضاءات الاستقبال ورعاية الفئات الهشة والمستضعفة، وهو جهد يستحق الدعم والتشجيع وتذليل الصعاب عوض محاصرته بالشروط التعجيزية والمماطلة غير المبررة.
ولتجاوز حالة الانتظارية وضخ دماء جديدة في عروق العمل التنموي المشترك، بات من الملح فتح قنوات حوار مباشر وصريح وبناء بين مسؤولي القطاعات العمومية الإقليمية والجهوية وبين الديناميات المدنية، بهدف تبسيط الإجراءات الإدارية وتسهيل تفعيل المشاريع المشتركة. إن هدر الوقت التنموي في دهاليز البيروقراطية يعطل مصالح حيوية لشرائح واسعة من المواطنين لا تملك ترف الانتظار، مما يفرض على الإدارة تبني مرونة أكبر والقطع مع أساليب الانغلاق، والتعامل مع المبادرات المدنية المسؤولة كمصدر قوة وصمام أمان يساهم في الاستقرار الاجتماعي والتنمية المحلية.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار التشاركي يضع المجتمع المدني بدوره أمام مسؤولية تاريخية تتجلى في تطوير آليات اشتغاله، ورفع مستوى الحكامة والشفافية والاحترافية في تدبير المشاريع. إن تكتل الجهود بين مؤسسات الدولة بجرأتها الإدارية والتنظيمية، وبين الجمعيات بمرونتها وقربها من نبض الشارع، هو الكفيل بالانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق الاستدامة والفعالية، لتبقى الغاية الأسمى من كل هذه الديناميات هي صون كرامة المواطن، وضمان حقه في تنمية عادلة وشاملة تعيد الثقة في المؤسسات وفي العمل التضامني النبيل.





