24 ساعةالواجهةفضاء الصحافة

المحكمة الدستورية تحسم الجدل حول قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

المحكمة الدستورية تحسم الجدل حول قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة

أنهت المحكمة الدستورية الجدل القانوني والدستوري الذي رافق مسار المصادقة على القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد أن أصدرت، يوم الخميس 22 يناير 2026، قرارًا مفصليًا حدّد بدقة حدود تدخل المشرّع في تنظيم قطاع يُعد من أكثر المجالات ارتباطًا بحرية التعبير والتنظيم الذاتي للمهنة الصحفية.

وجاء قرار المحكمة عقب إحالة تقدّم بها 96 عضوًا من مجلس النواب، طعنوا فيها في دستورية عدد من مقتضيات القانون، معتبرين أنها تمس بمبادئ دستورية أساسية، من بينها الديمقراطية، والمساواة، والتعددية، وضمان استقلال التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة.

من الناحية الشكلية، أكدت المحكمة الدستورية أن مسطرة إعداد ومناقشة والمصادقة على القانون احترمت الضوابط الدستورية المنصوص عليها في الفصول 78 و83 و84 من الدستور. فقد جرى التداول في مشروع القانون داخل مجلس الحكومة، ثم إيداعه بمكتب مجلس النواب، والمصادقة عليه بعد إدخال تعديلات، قبل أن يصادق عليه مجلس المستشارين دون تعديل، لتنتهي المحكمة إلى أن الإحالة استوفت الشروط الواردة في الفصل 132من الدستور.

أما من حيث المضمون، فقد خضعت عدة مواد لفحص دقيق، خاصة تلك المرتبطة بتركيبة المجلس الوطني للصحافة، وآليات اتخاذ القرار داخله، والنظام التأديبي، وضمانات المحاكمة العادلة.

وأكدت المحكمة أن الدستور، ولا سيما الفصل 28، يجيز للمشرّع التدخل لتنظيم قطاع الصحافة على أسس ديمقراطية، شريطة احترام استقلاليته وضمان عدم المساس بجوهر التنظيم الذاتي المهني.

وفي هذا السياق، قضت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، التي أسندت الإشراف على إعداد التقرير السنوي للمجلس حصريًا لعضوين من فئة الناشرين، معتبرة أن ذلك يُخل بمبدأي التوازن والتساوي في تمثيل مختلف مكونات الحقل الصحفي، لا سيما وأن التقرير السنوي يُعد وثيقة محورية في تقييم أوضاع حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة.

كما اعتبرت المحكمة أن أحد بنود المادة الخامسة، المتعلق بالتركيبة العددية غير المتوازنة داخل المجلس، لا ينسجم مع القواعد الديمقراطية في اتخاذ القرار، ما يجعله مخالفًا للدستور.

ومن بين أبرز المقتضيات التي أسقطتها المحكمة، المادة 49، التي منحت جميع المقاعد المخصصة لفئة الناشرين داخل المجلس للمنظمة المهنية الأكثر تمثيلية. واعتبرت المحكمة أن هذا التوجه يُكرّس تمثيلية احتكارية تتعارض مع الفصل الثامن من الدستور، الذي يؤكد على التعددية داخل التنظيمات المهنية، ويضمن حقها في تمثيل منخرطيها دون إقصاء.

وفي الشق التأديبي، قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 93، التي تسمح بعضوية رئيس لجنة الأخلاقيات في لجنة الاستئناف التأديبية، معتبرة أن الجمع بين البت الابتدائي والاستئنافي في الملف نفسه يُخل بمبدأ الحياد والاستقلال، ويناقض ضمانات المحاكمة العادلة المكفولة دستوريًا.

كما صرّحت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 57، التي تفرض انتخاب رئيس ونائب رئيس من جنسين مختلفين دون توفير آليات قانونية واضحة تضمن قابلية هذا الشرط للتنفيذ، معتبرة أن ذلك يُحدث تناقضًا تشريعيًا ويقيد حرية الاختيار والترشح داخل المجلس.

في المقابل، أقرت المحكمة دستورية عدد من المواد، من بينها المواد 9 و10 و11 و13 و23 و44 و45 و55، معتبرة أنها لا تمس بحقوق الدفاع، ولا بمبدأ فصل السلط، ولا بالأمن القانوني، ولا بحرية التنظيم المهني. كما شددت على أن الأخطاء الاصطلاحية أو المادية في الصياغة لا ترقى، في حد ذاتها، إلى مستوى عدم الدستورية متى لم تمس جوهر الحقوق أو المبادئ الدستورية.

وأمرت المحكمة بتبليغ قرارها إلى كل من رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، مع نشره في الجريدة الرسمية، مؤكدة الطابع الملزم لقراراتها.

ويُعد هذا القرار محطة مفصلية في مسار إصلاح الإطار القانوني المنظم للمجلس الوطني للصحافة، إذ يرسم بوضوح الحدود الفاصلة بين سلطة المشرّع ومتطلبات التنظيم الذاتي، ويؤكد أن أي إصلاح تشريعي لقطاع الصحافة يظل مشروطًا باحترام مبادئ التعددية، والحياد، والمساواة، وضمان الحقوق والحريات، باعتبارها ركائز أساسية لدولة الحق والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى