
الكثير من الأطر التربوية -في الآونة الأخيرة- تشتكي من ضعف الرغبة لدى المتعلمين والمتعلمات في التعلم ، وأن معظمهم يفعل ذلك ليس عن شغف وحب ؛ وإنما عن ضرورة أملتها ظروفهم الاجتماعية والأسرية لا غير…فهل حقا أصبحت المدرسة المغربية خالية من الشغف والدافعية في التعلم إلى حد الاستعاضة عنها بأشكال أخرى في التعلم ؟ وهل أصبح المحتوى التربوي والمعرفي التي تقدمه المدرسة للأجيال الصاعدة لايحظى بالأهمية اللازمة في إثارة عنصر الشغف والرغبة لديهم ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون صراعا ثقافيا بين جيلين ، أحدهما يدعي امتلاك المعرفة والقيادة في التوجيه والتربية ، وآخر مهمته التلقي واتباع التوجيهات التربوية والتعليمية فقط ؟ أسئلة من أخرى تضع الفاعلين التربويين في صلب العملية التعليمية التعلمية ، وتضع منظومتنا التعليمية أمام محك حقيقي في البحث عن استرجاع ذلك الشغف ، الذي يكاد يخبو في مدارسنا التعليمية …
قبل النبش في بنية المنظومة التربوية لدينا ، نلاحظ أن بعض الدول بدأت بالفعل في تجديد مناهجها التربوية ، وتغيير مقرراتها الدراسية ، بل ووصل الأمر بإحدى الدول – الولايات المتحدة الأمريكية – أن ألغت وزارة التعليم من الوزارات المعتمدة في حكومتها ، مكتفية بتفويض هيكلة هذه الوزارة للولايات الأمريكية ، حسب الخصوصيات الثقافية والإثنية لديها… قبل النبش في الأسباب والمسببات التي أوصلتنا لهذا التردي التربوي التعليمي ، نقف عند بعض الملاحظات الضرورية ، التي قد تساعدنا على فهم الظاهرة :
أولا : الفئات المتعلمة لدينا ليس لها رأي البتة في بناء نموذجنا البيداغوجي ، وهي مستبعدة في كل النقاشات والحوارات الوطنية ، رغم أنها هي الرافعة الأساسية في إنجاح أو إفشال العملية برمتها ، نعم هناك من سيجيب أن الناشئة تظل دون عمق النقاش التربوي الوطني ، وغير قادرة على رسم ملامح مستقبلها التربوي التعليمي…!!! لكن وعلى الرغم من ذلك فالناشئة على العموم قد تحمل أفكارا ونظريات قد لا نجدها عند كثير من الأطر التربوية الفاعلة في المجال ، لاسيما مع التطور الهائل في ميدان الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة، فلماذا يحرم جيل بكامله في رسم ملامح مستقبله ولو عن طريق الاستشارة والاستماع له ؟!
ثانيا : نموذجنا البيداغوجي للأسف سرعته بطيئة لا تواكب سرعة العصر ، فكم من مناهج ومقررات وطرق للتدريس تجاوزها الزمن وهي لا تزال ركائز أساسية في مدارسنا ، تثير الاستغراب والاشمئزاز لدى الناشئة ، ولاتثثير فيهم الفضول وحب الاستطلاع والرغبة في التعلم…
ثالثا : لغة المدرسة للأسف عندنا قديمة ، وأقصد بذلك موجات التواصل الوجداني والثقافي التي ينبغي أن تكون نشطة وفعالة لدى الأطر التربوية اتجاه الفئة المتعلمة ، لهذا نلاحظ في كثير من الأحيان في أعين الناشئة الكثير من الضحك والاستغراب لديهم إزاء لغة التواصل بينهم وبين أساتذتهم ، طبعا لا ينبغي تقمص انشغالاتهم وهمومهم وهواجسهم بالكامل من لدن مربيهم وأساتذتهم ، ولكن على الأقل ينبغي الاجتهاد في البحث عن القواسم المشتركة بين الجيلين ، وجعل المسافة بينهما تبقى في حدود الفجوة وليس في حدود الهوة السحيقة…
الملاحظات السابقة تدلنا في البحث عن الأسباب الحقيقية في هذا النفور الذي بدأ يتشكل لدى معظم الناشئة في التفاعل مع عالم المدرسة والدراسة …
من بين ذلك على سبيل المثال وليس التحديد :
أولا : عالم المدرسة يختلف اختلافا بينا عن عالم المجتمع ، معظم النظريات والمبادئ التربوية التي تنشدها الأطر التربوية والإدارية على السواء ، تنكسر بمجرد خروج التلميذ خارج أسوار المدرسة ، فالبناء التربوي لدينا للأسف لا يتماشى مع البناء المجتمعي بتاتا ، بل قد يصل أحيانا لدرجة التصادم والتناقض ، على سبيل المثال سلم الترقي الاجتماعي عند الناشئة لم يعد هو المدرسة والتشبع بمبادئ الكد والاجتهاد وسهر الليالي ، بل أضحى هو البحث في محركات البحث عن الشهرة والتكسب السريع بإنشاء قنوات تهتم بعدد المشاهدات والمتابعات المحققة لأرباح مالية سريعة ، حتى وإن تعلق الأمر بالبرامج التافهة المخلة بواجب الحياء والمروءة ….
ثانيا : هذا السلوك الذي أصبح شائعا اليوم والذي ينهج البعد الكمي على حساب البعد النوعي القيمي ، يساعده للأسف حتى التوجهات الرسمية من لدن الإعلام الرسمي العام والخاص – إلا ما ندر – في مختلف القنوات والإذاعات والبرامج والجرائد والمجلات والإشهارات والإعلانات التي تمجد للربح السريع ، وللشهرة المزيفة ، على حساب البعد القيمي الاستراتيجي الذي بفضله تنهض الأمم ، وتعتلي سلم المجد والتحضر ….
ثالثا :طغيان البعد الكمي في كل شيء تعلق بمنظومتنا التربوية ، بدءا بمقرراتنا الدراسية الكثيرة ، ومرورا بالزمن المدرسي الخانق ، الذي لايترك متسعا للعب والترويح عن النفس ، لاسيما في مرحلة التعليم الأولي والابتدائي ، حيث أن الصغار يصعب عليهم استيعاب كل تلك الدروس وحمل ذلك الكم الهائل من المقررات والكتب المدرسية ، إذ أننا نرسل رمزية سلبية عن المدرسة لديهم ، فتصبح المدرسة عقابا وليست روضة من رياض المتعة والإغراء المعرفي التعلمي …
رابعا : الزمن المدرسي لدينا بدل أن يبتدئ من القلة إلى الكثرة ، نبتدئ من الكثرة إلى القلة ، إذ كلما صعدنا الهرم الزمني المدرسي تقل الساعات وتتلاشى التعلمات ، وهو أمر غريب ، إذ الأولى أن يفسح المجال للعب لدى الأطفال في مرحلة الصغر ، ويقل شيئا فشيئا عند التقدم في مراحل العمر ، العكس تماما هو الذي يحدث مع ناشئتنا ، نكتسب الرهبة والذعر من المدرسة في الصغر ونميل للعب والتفاهة في الكبر …
خامسا : أكثر ما يصيبنا بالرهبة والذعر من المدرسة هي تلك الامتحانات الإشهادية المكثفة تحت طائلة التوبيخ والإذلال في حالة الفشل والرسوب، سواء في المدرسة أو الأسرة أو المجتمع عموما …. إذ تصبح المدرسة مصدر خوف وذعر يلازم الطفل الصغير في كل مراحله الدراسية حتى في حالة النجاح والتفوق ، إذ تبقى متلازمة الخوف والذعر تهدد السلامة النفسية للناشئة في كل المراحل العمرية ، وهذا خلل كبير في منظومتنا التربوية تجعل من الأجيال الصاعدة تنظر بعين السخط والاشمئزاز لمنظومتنا التقويمية المتعلقة بالامتحانات الإشهادية وفروض المراقبة المستمرة …
سادسا : محتوى منظومتنا التقويمية بالرغم من سلطته الرمزية السلبية ، يثير في نفس الوقت الاستغراب والضحك لدى معظم المتعلمين والمتعلمات الجدد ، إذ أصبح مستهلكا قديما يسهل اختراقه بوسائل الغش الحديثة – الذكاء الاصطناعي نموذجا – لأنه للأسف يعتمد البعد الكمي المستند للذاكرة والمعلومة بدل الارتكاز على الملاحظة والنقد والتحليل ، إذ يسهل الوصول إلى الإجابة الصحيحة في مدة زمنية قياسية ، والتظاهر بالعبقرية المزيفة والذكاء الكاذب …
للأسف الشديد نموذجنا البيداغوجي اليوم إن لم يتدارك الموقف ، وينتقل من البعد الكمي إلى البعد النوعي النقدي التحليلي…
سنظل نراوح مكاننا ، ليس فقط لسنوات قادمة ، بل لعقود قادمة في التخلف والجهل والبعد عن الركب الحضاري ، وسيأتي يوم نشهد فيه إفلاسا تربويا تعليميا قيميا ليس فقط على مستوى المدرسة ، بل على مستوى الأسرة والمجتمع برمته …




