الواجهةمجرد رأي

المشاركة والمقاطعة… الأدوار الشاردة والأهداف الضائعة

عبد المولى المروري يكتب:
المشاركة والمقاطعة… الأدوار الشاردة والأهداف الضائعة
ثانياً: المشاركة السياسية… بين منطق الوصول إلى السلطة ومنطق بناء القوة المجتمعية

منذ نشأة الأحزاب السياسية الحديثة، ارتبط مفهوم المشاركة عند كثير من الفاعلين السياسيين بالوصول إلى السلطة والحكم عبر الانتخابات.. وهذا أمر مفهوم من الناحية النظرية، لأن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تمثل الآلية الطبيعية للتداول على الحكم، وتمكين الأحزاب الفائزة من تنفيذ برامجها، ثم محاسبتها بعد انتهاء ولايتها.

غير أن هذه الصورة التي قد تبدو مثالية، لا تصلح للتعميم على جميع الأنظمة السياسية، لأن قيمة المشاركة السياسية لا تقاس بوجود الانتخابات وحدها، وإنما بطبيعة السلطة وحدودها التي سيحظى بها الحزب الفائز في الانتخابات، وبحجم الصلاحيات التي ستمنحها له المؤسسات المنتخبة، وبمدى قدرة هذا الحزب على تحويل وعوده الانتخابية، التي تحولت إلى تعاقد أخلاقي أكثر منه سياسي ملزم له أمام الشعب، إلى سياسات عمومية.

وهذا ما يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري غالبا ما يتم تجاهله من طرف غالبية الأحزاب السياسية : ما الهدف الحقيقي أو الهدف الاستراتيجي من المشاركة السياسية؟

هل الغاية هي مجرد الوصول إلى الحكومة؟ أم الوصول إلى السلطة والحكم؟ أم إصلاح الدولة؟ أم بناء المجتمع؟ أم إن هذه الأهداف مجتمعة ولكن ليست في المستوى نفسه، ولا تتحقق بالوسائل نفسها؟

وغالبًا ما يكون الجواب عند بعض الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية هو: “المساهمة في الإصلاح، استنادًا إلى قول الله تعالى على لسان نبي الله شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

غير أن هذا الجواب، على وجاهته من الناحية المبدئية، يبقى عامًا، لأنه لا يجيب عن سؤال آخر أكثر تحديدًا: أي إصلاح يريد الحزب؟ وإصلاح ماذا؟ وبأي أدوات؟ وفي أي بنية سياسية؟ وبأي أفق؟ وما هي الأولويات؟ إنه شعار جميل وجذاب أكثر من كونه رؤية واضحة للإصلاح يمكن ترجمته إلى مشروع مجتمعي واقعي.. فالانتقال من المبدأ إلى المشروع ومن الشعار إلى الإنجاز هو الذي يحدد قيمة العمل السياسي..

في تقديري، إن كثيرا من الإخفاقات التي عرفتها التجارب السياسية العربية يعود جزء منها إلى الخلط بين هذه المستويات المختلفة.. فقد تصرفت أحزاب كثيرة كما لو أن الوصول إلى الحكومة يعني الوصول إلى السلطة، وكأن السلطة كلها متمركزة داخل المؤسسات المنتخبة، بينما كشفت التجارب أن الحكومة قد تكون مسؤولة سياسيا أمام المواطنين، دون أن تمتلك جميع أدوات القرار، وهذا أخطر ما يشوش على المشاركة السياسية أو يربك عملها أو يفسد معناها أو يهدد مصداقيتها.

لقد ركزت كثير من الأحزاب على بناء التنظيم أكثر من بناء المجتمع، وعلى توسيع القاعدة الانتخابية أكثر من توسيع القاعدة الثقافية، وعلى إعداد المرشحين أكثر من إعداد النخب الفكرية.. ومع مرور الزمن، أصبحت الحملات الانتخابية أكثر انتظامًا من مشاريع التكوين، بل في الغالب ما نجد أن التكوين لا حظَّ له في برامج الكثير من الأحزاب، حتى الكبيرة والعريقة منها، وأصبح الاستثمار في الانتخابات أكبر من الاستثمار في إنتاج الأفكار، وهو ما جعل التنظيم الحزبي يتضخم في أذهان قادته أحيانًا أكثر من المجتمع الذي يفترض أن يؤطره ويقوده.

وهذا ما يجعل المشاركة السياسية، في بعض السياقات، تعيش مفارقة قاسية؛ فهي تربح الانتخابات لكنها لا تربح موازين القوة، وتفوز بالمقاعد لكنها لا تمتلك جميع مفاتيح القرار، فتجد نفسها مطالبة بتحقيق وعود دون أن تمسك بما يكفي من وسائل تنفيذها.. لأن سلطة التعيين أقوى من شرعية الانتخاب، ونفوذ السلطة أعمق من تدبير المؤسسات المنتخبة..

إن أول اصطدام يقع بين الوعود الانتخابية والواقع، وبين الحزب الفائز والشعب يحدث عندما يرى هذا الأخير أن معظم الوعود التي تلقاها من الحزب إبان الحملات الانتخابية تتبخر أمام إكراهات الواقع وتذوب كلها أو جلها في بنية الدولة، فيصبح السياسي صاحب الشرعية الانتخابية تحت رحمة نفوذ السلطة التي يحظى به رجل السلطة المعين، أما الحكومة المنتخبة فتصبح بعد تعيينها مجرد مساعد للدولة وإدارة لتنفيذ تعليماتها…

غير أنني أرى أن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه الأحزاب لا يكمن في المشاركة السياسية نفسها، بل في اختزالها في الوصول إلى الحكومة دون النضال من أجل تحسين شروط هذه المشاركة بما يضمن إمكانية تحقيق وعودها وتنفيذ برنامجها.. فالحكومة ليست سوى إحدى ساحات العمل السياسي، بينما المجتمع هو الساحة الأوسع والأكثر استمرارا وتأثيرا..

فالسياسي الذي يقضي خمس سنوات داخل مؤسسة منتخبة ثم يخرج منها دون أن يكون قد كوّن جيلا جديدا من الكفاءات، أو أسهم في رفع وعي المجتمع، أو دعم مؤسسات المجتمع المدني، أو أنتج فكرا جديدا، أو عزز مبادرات المواطنين، يكون قد حقق نجاحا انتخابيا محدودا وسطحيا، لكنه لم يحقق نجاحا سياسيا بالمعنى العميق.

ولهذا أعتقد أن المشاركة الناجحة لا ينبغي أن تُبنى على سؤال: كيف نصل إلى الحكومة؟ بل على سؤال آخر أكثر عمقا وهو كيف نجعل المجتمع أكثر قدرة على التأثير في الدولة؟ والفرق بين السؤالين كبير جدا على مستوى المنطلقات والوسائل والنتائج على حد سواء.

فالسؤال الأول ينطلق من المؤسسة، أما السؤال الثاني فينطلق من المجتمع.
والأول سؤال يغلب عليه الجانب التقني القريب المدى.. أما الثاني فيركز على التصور والرؤية البعيدة المدى..
والأول يجعل الانتخابات مركز المشروع السياسي.. أما الثاني فيجعل الانتخابات إحدى أدوات المشروع، لا المشروع كله.
وأخيرا، السؤال الأول تكتيكي، أما الثاني فهو سؤال استراتيجي..

وعندما يصبح المجتمع هو مركز التفكير السياسي، تتغير أولويات الفاعل السياسي كلها.. ولا يعود يقيس نجاحه بعدد الحقائب الوزارية، ولا بعدد رؤساء الجماعات، ولا بعدد البرلمانيين، وإنما بما أحدثه من تحول في المجتمع نفسه من خلال البحث عن أجوبة للأسئلة التالية:
هل أصبح المواطن أكثر وعيا بحقوقه؟
هل أصبحت الجمعيات والأحزاب أكثر استقلالا؟
هل أصبحت النقابات أكثر قوة ونزاهة؟
هل توسعت دائرة النخب الفكرية والثقافية؟
هل ارتفع مستوى النقاش العمومي؟
هل أصبحت الجامعة تنتج أفكارا أكثر مما تطبع الشهادات؟
هل أصبحت وسائل الإعلام أكثر استقلالا ومصداقية؟

هذه الأسئلة، في تقديري، لا تقل أهمية عن نتائج الانتخابات، بل قد تكون أكثر أهمية، لأنها تقيس صلابة الأرضية التي يقف عليها أي مشروع إصلاحي.

ومن هنا يمكن القول إن المشاركة التي لا تترك وراءها مجتمعا أقوى، تتحول مع مرور الزمن إلى مشاركة استهلاكية، تستهلك الأحزاب أكثر مما تبني المجتمع، وتستهلك المجتمع أحيانًا أكثر مما تبني الإنسان.. لأن المجتمع يدخل كل خمس سنوات في تعبئة انتخابية، ثم يعود إلى السكون.. وهذه دورة استهلاك واستنزاف لا دورة بناء وإنتاج..

وبهذا المعنى تستنزف المشاركة السياسية القيادات أكثر مما تصنع قيادات جديدة، وتجعل هذه المشاركة عبارة عن أنشطة استعراضية تعمل على استقطاب المعجبين والمتفرجين، ولا تعمل على تكوين المناضلين وتأطير المواطنيين، وتبحث عن الفرجة السياسية وليس على النجاعة المجتمعية.. وتسعى إلى رفع نسبة المشاهدة وليس إلى رفع مستوى التأثير في الوعي السياسي.. وتجعل الحزب السياسي يدور في حلقة انتخابية مغلقة، ينتقل فيها من حملة انتخابية إلى أخرى، دون أن يراكم القوة التي تمكنه من التأثير في موازين القوى الحقيقية، أو الدخول إلى أنوية القرار الفعلي.

على الفاعل السياسي أن يدرك أن الدولة تفكر غالبًا بمنطق الولاية الحكومية، أي بمنطق السنوات الخمس، بينما يفكر المجتمع بمنطق الأجيال.. ولذلك فإن المشروع الذي يحصر نفسه في الدورة الانتخابية، قد يربح انتخابات ويخسر جيلاً، (ويكفي أن نمعن النظر في واقع الأجيال التي تعاقبت عليها كل الانتخابات التي عاشها المغرب مثلا)، بينما المشروع الذي يبني الإنسان قد يخسر انتخابات، لكنه يربح المستقبل.

لقد أظهرت التجربة المغربية أن الوصول إلى رئاسة الحكومة، حتى بعد الفوز في انتخابات متتالية، لم يكن كافيًا لإحداث التحول الذي انتظره كثير من الناخبين، لأن موازين القوة داخل الدولة والمجتمع كانت أعقد من أن تختزل في نتائج صناديق الاقتراع.. لأن الدولة والمؤسسات الرسمية التابعة لها لا تترك هامشا معقولا ومعتبرا للحكومة والمؤسسات المنتخبة التابعة لها لترجمة وعودها إلى واقع وبرامجها إلى إنجاز..

ولهذا، فإن المشاركة السياسية ليست سباقا نحو السلطة (غير المتأتية أصلا للفاعل السياسي المنتخب)، وإنما هي – قبل ذلك – عملية طويلة الأمد لبناء المجتمع الذي يجعل السلطة نفسها قابلة للإصلاح والمساءلة.. وهنا، في تقديري، يكمن الفرق بين السياسة بوصفها إدارة للانتخابات، والسياسة بوصفها صناعة للتاريخ.

المشاركة السياسية ليست حقًا دستوريا فقط… بل استثمار في المجتمع.. أي إن الحزب عندما يشارك، فهو يستثمر رصيده الأخلاقي.. رصيده الشعبي.. تاريخه.. أطره.. فما هو العائد السياسي لهذا الاستثمار؟

فإذا كان العائد ينحصر في مجرد عدد من المقاعد.. فهذا استثمار ضعيف للغاية.. أما إذا كان العائد مجتمعًا أكثر وعيًا، ونخبًا أكثر استقلالًا، ومؤسسات مدنية أقوى، فهذا استثمار ناجح، حتى لو خسر الحزب الانتخابات لاحقًا.. وبذلك تصبح الانتخابات جزءا من استراتيجية لبناء القوة المجتمعية وليس للفوز بمقاعد انتخابية..

فالانتخابات قد تمنحك حكومة بلا حكم لمدة خمس سنوات، أما المجتمع الواعي والمنظم فقد يمنح وطنه نهضة تمتد لعقود..

لذلك ولتحقيق هذه الغاية، فلابد للمشاركة السياسية أن تستحضر خمس قواعد مهمة، بدونها لن يكون للمشاركة السياسة أي معنى وستظل بلا تأثير حقيقي..

(يتبع)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى