المغرب خارج «سياسة الدم»: قراءة في رؤية الكاتب الصافي سعيد ودور الملكية

المغرب خارج «سياسة الدم»: قراءة في رؤية الكاتب الصافي سعيد ودور الملكية
حين أعود اليوم إلى كتاب «جيوبوليتيك الدم: التاريخ الأسير والجغرافيا المتصدعة» للكاتب الصافي سعيد، الصادر سنة 2015، لا أتعامل معه بوصفه عملًا تحليليًا ينتمي إلى لحظة سياسية مضت، بل باعتباره نصًا استشرافيًا يزداد راهنية كلما تعمّقت الأزمات في العالم العربي. فالكتاب كُتب قبل أن تتكشف، على هذا النحو المأساوي، مآلات عدد من المسارات السياسية العربية، لكنه يبدو اليوم وكأنه يصف واقعًا نعيشه يومًا بيوم: دول تفككت، مجتمعات انقسمت، وسياسة أُفرغت من معناها لتحل محلها لغة العنف والفوضى.
متابعتي للكاتب الصافي سعيد ليست وليدة هذا الكتاب وحده، بل تمتد لسنوات، فرضتها كتاباته الجريئة وقدرته على قراءة ما وراء الأحداث، وجرأته في نقد السلطة كما في نقد المعارضة، دون انزلاق إلى الاصطفاف السهل أو التبرير المريح. ويزداد هذا الاهتمام حين نتذكّر أن الصافي سعيد لم يكتف بدور المراقب من الخارج، بل خاض تجربة سياسية مباشرة بترشحه للانتخابات الرئاسية في بلده، وكان منافسًا حقيقيًا للرئيس الحالي، وبلغ مرحلة متقدمة جعلته قريبًا من الفوز، لولا حسابات سياسية معقّدة لا يتّسع المجال للخوض فيها هنا. هذا المعطى، في تقديري، يفسّر كثيرًا من واقعية تحليلاته وابتعادها عن الرومانسية السياسية.
ينطلق الصافي سعيد من فكرة مركزية أجدها شديدة الوجاهة، مفادها أن العالم العربي دخل مرحلة «جيوبوليتيك الدم». فالعنف لم يعد مجرد نتيجة لفشل السياسة، بل تحوّل إلى أداة من أدواتها. حين تفشل النخب في إدارة الاختلاف، وحين تغيب الدولة القادرة على احتواء التوترات، يصبح الدم لغة بديلة عن الحوار. ومن هذا المنطلق، يوجّه الكاتب نقدًا قاسيًا للتغييرات العشوائية التي تهدم الدولة قبل أن تبني بديلًا عنها، معتبرًا أن كثيرًا من الثورات، رغم صدق دوافعها، انتهت إلى نتائج كارثية لأنها تجاهلت سؤال الدولة والمؤسسات.
في هذا السياق بالذات، يلفتني موقع المغرب في منطق الكتاب، حتى وإن لم يُفرد له فصلًا خاصًا. فالمغرب يُقدَّم، بشكل ضمني، كحالة عربية اختارت مسارًا مختلفًا: الحفاظ على الدولة، تفادي القطيعة العنيفة، ومحاولة إدارة التغيير بدل الانفجار. وأجد نفسي هنا متفقًا إلى حد كبير مع هذا الطرح، إذ يصعب إنكار أن المغرب، رغم أعطابه وتناقضاته، نجح في الحفاظ على ترابط مكونات شعبه، وتجنّب الانقسام الحاد الذي دمّر مجتمعات عربية أخرى.
وأتفق مع الصافي سعيد أيضًا في تشديده على دور الملكية في هذا المسار. فالملكية في المغرب، في نظري، أدّت دورًا أساسيًا في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الوطني، وفي منع تحوّل التوترات الاجتماعية والسياسية إلى صراعات وجودية. صحيح أن التمثيليات السياسية تعاني من ضعف واضح، وأن الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة تراجعت بشكل مقلق، لكن وجود مؤسسة جامعة، فوق التجاذبات اليومية، ظل عنصر توازن حال دون الانزلاق إلى منطق الغلبة والعنف.
كما أجد نفسي قريبًا من طرح الصافي سعيد بشأن التغيير الناعم والعقلاني. فالتغيير، كما أراه، لا يُقاس بحدة الشعارات ولا بسرعة الانفجار، بل بقدرته على الحفاظ على المكاسب الوطنية التاريخية، وعلى تجنيب البلاد كلفة الدم والفوضى. التغيير الذي يحرق الدولة باسم محاربة الفساد أو إسقاط النخب لا يفتح بالضرورة أفقًا أفضل، بل قد يدمّر الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع. لذلك يبدو لي أن الإصلاح التدريجي، مهما بدا بطيئًا، يظل خيارًا أكثر عقلانية من المغامرة غير المحسوبة.
ومع ذلك، لا يعني هذا القبول بالوضع القائم أو تبرير أعطاب المشهد السياسي. فالتغيير الناعم الذي أدافع عنه لا يعني الجمود ولا الاكتفاء بتدبير الاختلالات، بل يفترض عملًا جادًا على تجديد النخب السياسية، ومحاسبة الفاسدين، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للصالح العام لا مجالًا للامتياز. الحفاظ على الدولة، في هذا السياق، يجب أن يكون شرطًا لتصحيح المسار من الداخل، لا ذريعة لحماية الفشل أو إعادة إنتاج الرداءة.
ولا يغيب عن الصافي سعيد، وهو ما أتفق معه بوضوح، أن موقع المغرب وخياراته الجيوسياسية أسهما في إبعاده نسبيًا عن بؤر الصراع الدموي التي عرفتها مناطق أخرى. غير أن هذا المعطى لم يكن نتاج الجغرافيا وحدها، ولا نتيجة ظرفية عابرة، بل ثمرة تدبير سياسي واعٍ حوّل الاستقرار إلى خيار استراتيجي. وفي هذا السياق، يبرز دور المؤسسة الملكية كإطار ضامن لهذا التوازن، من خلال إدارة التحديات الداخلية والخارجية بعقلانية حالت دون الانزلاق إلى منطق العنف. ويظهر هنا، بشكل خاص، ما أبان عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله من قيادة حكيمة وتبصّر واضح في تدبير الأزمات، سواء الداخلية أو الخارجية، بأسلوب هادئ واستباقي عزّز مناعة الدولة وكرّس الاستقرار كخيار دائم لا كمعطى ظرفي. فالاستقرار، وفق هذا المنظور، لا يُمنح ولا يُفترض، بل يُدار ويُصان بالوعي وبالقدرة على الموازنة بين متطلبات الإصلاح وضرورات الحفاظ على وحدة الدولة، لا بالشعارات أو المقاربات الانفعالية.
في المحصلة، أجد في «جيوبوليتيك الدم» كتابًا يساعد على التفكير الهادئ في زمن الضجيج، وعلى التمييز بين التغيير الضروري والتغيير المدمّر. وأرى في قراءة الصافي سعيد للمغرب دعوة صريحة إلى الواقعية السياسية، لا إلى الاستسلام، وإلى الإصلاح العقلاني، لا إلى القطيعة العنيفة. ومن هذا المنطلق، فإن اتفاقي مع أطروحته بشأن دور الملكية وأهمية التغيير الناعم لا ينبع من موقف إيديولوجي مسبق، بل من قناعة شخصية مفادها أن الخروج من منطق الدم يبدأ بالحفاظ على الدولة، وبإصلاح السياسة من الداخل، لا بهدمها.
— شعيب الخدالي، كاتب رأي ومتابع للتحولات السياسية في المغرب والعالم العربي





