الواجهةمجرد رأي

المغرب: متقدمٌ في البنية التحتية، متأخرٌ في البنية العقلية

جمال عميمي 

الجزء الأول: تطورٌ سياسي واستقرارٌ نسبي
عندما نُقارن بين حقبتين من تاريخ المغرب الحديث، نجد فارقاً واضحاً بين حكم الملك الحسن الثاني وحكم ابنه الملك محمد السادس. الحسن الثاني الذي حكم منذ استقلال المغرب وحتى وفاته، عاش عهده في ظل توتراتٍ سياسيةٍ حادة، وتعرض لمحاولتين انقلابيتين خطيرتين أثناء حكمه، إضافةً إلى سنواتٍ من الرصاص، حيث كانت المعارضة تُقمع بقسوة، والأصوات المختلفة تُصمت بالقوة.
في المقابل، شهد عهد محمد السادس انفتاحاً سياسياً نسبياً، وتحولاً تدريجياً نحو ملكيةٍ دستوريةٍ أكثر مرونة. لم يُسجّل في عهده محاولات انقلابية، وانخفضت حدة القمع السياسي بشكلٍ ملحوظ. الملك الجديد أطلق سراح معتقلين سياسيين، وسمح بتشكيل أحزابٍ جديدة، وقدّم مشروعاً للتنمية البشرية يركّز على الفئات الهشة. هذا التطور السياسي يُجعل النظام المغربي، مقارنةً بجيرانه، أكثر استقراراً وأقل عنفاً.
الجزء الثاني: قفزاتٌ في البنية التحتية
ليس التقدم السياسي وحيداً في عهد محمد السادس، بل شهد المغرب قفزاتٍ ملحوظةٍ في مجال البنية التحتية. شبكة الطرق السيارة امتدت لتربط المدن الكبرى، والقطار الفائق السرعة أصبح رمزاً للحداثة، والموانئ توسّعت، والمطارات تطوّرت. في مجال الطاقة، برز مشروع نور للطاقة الشمسية كأحد أكبر المشاريع من نوعه في العالم. في مجال الاتصالات، انتشرت شبكات الجيل الرابع والخامس، وأصبح المغرب من الدول الرائدة في إفريقيا من حيث الولوج إلى الإنترنت.
في المجال الاقتصادي، تنوّعت الصادرات، ونمت صناعة السيارات والطيران، واستقطب المغرب استثماراتٍ أجنبيةً مهمة. المدن الكبرى شهدت تحولاً عمرانياً ملحوظاً، وظهرت طبقةٌ وسطى جديدة تتمتع بمستوىٍ معيشيٍ مقبول. كل هذه المؤشرات تُظهر أن النظام المغربي، بقيادة الملك محمد السادس، قد أصبح متقدماً عن نظيره في الحسن الثاني، وأن المغرب يُحرّك عجلة التنمية المادية بوتيرةٍ جيدة.
الجزء الثالث: ثغرةٌ عميقة في البنية العقلية
لكن وراء هذا التقدم المادي، تكمن ثغرةٌ عميقة تُهدد المستقبل. المغرب الذي تقدّم في البنية التحتية، ما زال جداً متأخراً في البنية العقلية. المؤسسات التعليمية، رغم التوسع الكمي، تفتقر إلى الجودة والتفكير النقدي. المناهج الدراسية ما زالت تعتمد على الحفظ والتلقين، والمعلمون يُدرّسون ما في الكتاب دون نقاش. الجامعات تُنتج شهادات لا عقولاً، وخريجوها يفتقرون إلى مهارات التحليل والابتكار.
المجتمع المغربي ما زال يعيش في ظل ثقافةٍ سائدة تُقدّس الخرافة على العلم، والتقليد على التجديد، والطاعة على النقد. الشوارع مليئة بالدجالين والمشعوذين والشيوخ الفلكيين الذين يبيعون الوهم للناس. القنوات التلفزيونية تُخصص ساعاتٍ طويلةً لبرامج الخرافة والشعوذة، حيث يظهر المشعوذون على الهواء مباشرةً ليُعالجوا الأمراض بالرقى والتمائم، ويُفسّروا الأحلام ويُتنبأون بالمستقبل. هذه الظاهرة ليست هامشية، بل هي صناعةٌ رائجةٌ تُدرّ أرباحاً طائلةً.
الجزء الرابع: الكهنوت، مهندس العقول المغربية المجمدة
لنفهم لماذا تخلف الشعب المغربي، علينا أن ننظر إلى دور الكهنوت الديني في تشكيل العقل الجمعي. الكهنوت في المغرب ليس مجرد مجموعةٍ من الخطباء والأئمة، بل هو جهازٌ فكريٌ متكامل يمتد من المساجد إلى المدارس العتيقة، ومن الفضائيات الدينية إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الكهنوت لم يكتفِ بتقديم الدين كمعتقدٍ روحيٍ شخصي، بل حوّله إلى نظامٍ شموليٍ يُنظّم الحياة بأكملها. الدين أصبح ليس فقط طقوساً يومية، بل هويةً تُغلق الأبواب أمام أي تفكيرٍ مختلف. الشيخ يُصبح مرجعاً في كل شيء، في السياسة والاقتصاد والطب والعلاقات الاجتماعية. العقل المغربي تُسلّم بالكامل لهؤلاء الرجال الذين يدّعون امتلاك الحقيقة المطلقة.
الأخطر من ذلك، أن الكهنوت المغربي مارس خطاباً من الكراهية والتكفير بحق كل من خالفه. المفكرون المغاربة الذين تجرأوا على طرح أسئلة نقدية حول الدين أو التراث، وجدوا أنفسهم مُتهمين بالزندقة والإلحاد والعمالة. الكاتب الذي يكتب روايةً تخالف التقليد، والفنان الذي يُقدّم عملاً يُخالف الخط الأحمر، والباحث الذي يُناقش النصوص الدينية تاريخياً، كلهم يواجهون حملاتٍ تشهيريةٍ وتهديداتٍ بالقتل. هذا المناخ من الرعب الفكري جعل العقول تُفضّل الصمت على المخاطرة.
الجزء الخامس: الخرافة، سلاح تجميد العقل
الكهنوت المغربي لم يكتفِ باحتكار التفسير الديني، بل عمل جاهداً على ترسيخ الخرافة في العقول. الاعتقاد بالجن والعين والسحر ليس مجرد ظاهرةٍ شعبيةٍ هامشية، بل هو جزءٌ من البنية الفكرية للمجتمع. المرأة التي لا تنجب تُتهم بالعقم السحري، والرجل الذي يُصاب بمرضٍ مفاجئ يُتهم بالحسد، والطفل الذي يُعاني من صعوباتٍ تعليميةٍ يُقال إن الجن يلعب في رأسه.
المساجد والزوايا والأضرحة تُبثّ هذه الخرافات باسم الدين. الشيخ يُقدّم الرقية الشرعية كعلاجٍ لكل داء، ويبيع التمائم والأحجار المباركة، ويُعلّم الناس أن المصائب ناتجةٌ عن ذنوبٍ ارتكبوها في حياتهم السابقة. هذا الخطاب يُشلّ الإرادة، فالإنسان الذي يعتقد أن مصيره مكتوبٌ ولا يملك تغييره، لن يفكر في تحسين وضعه بالعمل والعلم.
القنوات الفضائية الدينية المغربية تُغرق البيوت ببرامجٍ عن الجن والشياطين والعالم الآخر، بدلاً من أن تُعلّم الناس حقوقهم وواجباتهم. البرامج الترفيهية تُقدّم المشعوذين كنجومٍ اجتماعيين، والصحف تُخصص صفحاتٍ لقراءة الفنجان والكف. الخرافة أصبحت صناعةً رائجةً تُدرّ أرباحاً طائلةً، بينما العلم والبحث يُهملان.
الجزء السادس: خطاب الكراهية، جدارٌ يفصل العقل عن العقل
من أخطر ما مارسه الكهنوت المغربي هو خطاب الكراهية والتكفير. هذا الخطاب لم يستهدف الملحدين والمفكرين فحسب، بل استهدف كل من خالف الرأي السائد. الأقليات الدينية والمذهبية وُصمت بالكفر والضلال، والنساء اللواتي يطالبن بحقوقهن وُصمن بالانحلال والخروج على الفطرة، والشباب الذين يُفكرون بشكلٍ مختلف وُصفوا بالغربة والعمالة.
هذا الخطاب خلق مجتمعاً منقسماً على نفسه، مجتمعاً يخشى التفكير ويخاف الاختلاف. العقل المغربي تعلم أن السؤال خطيئة، وأن النقد جريمة، وأن الاختلاف خيانة. والنتيجة كانت مجتمعاً يفتقر إلى الحوار، ويفتقر إلى التسامح، ويفتقر إلى القدرة على بناء إجماعٍ وطنيٍ حول قضاياه المصيرية.
الكراهية التي بثها الكهنوت لم تبقَ حبيسة الخطب والفتاوى، بل تحولت إلى عنفٍ فعلي. المفكرون المغاربة اغتيلوا أو هُجروا أو سُجنوا. الكتب التي تخالف الخط الرسمي مُنعت أو أُحرقت. المدارس التي تُعلّم التفكير النقدي وُصمت بالعلمانية والعداء للدين. هذا المناخ جعل المغرب بلداً يُنتج الأتباع لا المواطنين، والمقلدين لا المبدعين.
الجزء السابع: لماذا تخلف الشعب المغربي؟
الإجابة على هذا السؤال تتجاوز الأسباب الاقتصادية والسياسية السطحية. التخلف الحقيقي للشعب المغربي ليس في الفقر المادي، بل في الفقر الفكري. والفقر الفكري ليس قدراً، بل هو نتاجٌ متعمدٌ لسياساتٍ مارسها الكهنوت بالاشتراك مع النظام السياسي.
النظام السياسي وجد في الكهنوت شريكاً مثالياً. الكهنوت يُبقي الناس مشغولين بالطقوس والخرافات، فيغيبون عن قضاياهم الحقيقية. الشعب الذي يُفكر في الجن والعين لن يفكر في الفساد والمحسوبية. الشعب الذي يخشى التكفير لن يُطالب بحقوقه السياسية. الشعب الذي يعتقد أن مصيره مكتوبٌ لن يُناضل من أجل التغيير.
هذه الصفقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية أنتجت شعباً مُخدّراً فكرياً، شعباً يعيش في ظلامٍ رغم أنوار البنية التحتية الحديثة. الشعب المغربي تقدم في امتلاكه للهاتف الذكي، لكنه تخلف في امتلاكه لعقلٍ ناقد. تقدم في بناء المنازل، لكنه تخلف في بناء الذات. تقدم في ارتداء الملابس العصرية، لكنه تخلف في ارتداء ثوب المواطنة.
الجزء الثامن: المغرب بين نموذجين
المغرب اليوم يعيش بين نموذجين متناقضين. نموذجٌ ماديٌ متقدم يُظهره الملك محمد السادس في زياراته الخارجية، حيث يُقدّم المغرب كبلدٍ مستقرٍ ومتطورٍ ومنفتح. ونموذجٌ فكريٌ متخلف يعيشه الشعب في داخله، حيث الخرافة تسود، والكراهية تنتشر، والعقول مجمدة.
هذا التناقض ليس مستداماً. بلدٌ لا يمتلك عقولاً ناقدةً لن يستطيع الاستفادة من بنيته التحتية. شبكة الطرق السريعة لن تُفيد شعباً لا يعرف أين يذهب. القطار الفائق السرعة لن يُفيد شعباً لا يعرف ما يريد. الطاقة الشمسية لن تُضيء بيوتاً ظلامها في العقول لا في الغرف.
المغرب يحتاج إلى ثورةٍ فكريةٍ حقيقية، ثورةٍ تبدأ من المناهج التعليمية، وتمر بإصلاح الخطاب الديني، وتنتهي بتحرير الإعلام من سيطرة الخرافة والكراهية. يحتاج إلى كهنوتٍ جديدٍ يُقدّم الدين روحانيةً لا سياسةً، وعلماً لا خرافةً، ومحبةً لا كراهيةً.
الخاتمة: الطريق إلى الأمام
المغرب في عهد محمد السادس قطع شوطاً كبيراً على طريق التقدم المادي والسياسي. لكنه ما زال عالقاً في مستنقع التخلف الفكري. السبب ليس في النظام السياسي وحده، بل في الكهنوت الذي حافظ على الخرافة، ورسخ العقول المجمدة، وبث خطاب الكراهية والتكفير.
حتى يتقدم الشعب المغربي حقاً، عليه أن يتقدم عقلياً أولاً. عليه أن يُحرر عقله من قبضة الكهنوت، وأن يُحلل نصوصه التراثية لا يُقدسها، وأن يُعيد الاعتبار للعلم والمنطق والنقد. عليه أن يبني مواطناً ناقداً لا تابعاً، ومبدعاً لا مقلداً، وإنساناً يؤمن بقدرته على تغيير مصيره.
التقدم ليس في الطرق والجسور فحسب، بل في العقول والقلوب. والمغرب لن يكون متقدماً حقاً إلا عندما يكون شعبه متقدماً فكرياً. أما حينها، فسيظل بن علي مبارك والقذافي وصالح وبشار والبشير مجرد حكامٍ سقطوا، بينما يبقى الكهنوت حاكماً فعلياً، يُجمد العقول ويُبقي الشعوب في ظلامٍ دائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى