المكي كبريتي العروسي.. رجل دولة ومناضل وطني ترك بصمة خالدة في تاريخ مدينة أزمور

لا تقاس قيمة الرجال بعدد السنوات التي عاشوها، بل بما تركوه من أثر في خدمة وطنهم ومجتمعهم. ومن بين الأسماء التي سطرت صفحات مشرقة في تاريخ مدينة أزمور وإقليم الجديدة، يبرز إسم المرحوم المكي كبريتي العروسي (1927-1989)، الذي كرس حياته للدفاع عن الوطن، وخدمة العرش العلوي المجيد، والعمل الإجتماعي والإنساني بكل إخلاص وتفانٍ.
ولد الفقيد سنة 1927، وعاش مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، حيث أنخرط مبكرا في صفوف الحركة الوطنية خلال فترة الحماية الفرنسية، مؤمنا بحق الشعب المغربي في الحرية والإستقلال، ومتشبثا بثوابت الأمة وفي مقدمتها الوفاء للعرش العلوي المجيد بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه. وظل هذا الإلتزام الوطني راسخا في مسيرته إلى آخر أيام حياته.
ومع إنطلاق المسيرة الخضراء المظفرة سنة 1975، كان المرحوم من أوائل الذين أستجابوا للنداء التاريخي الذي وجهه جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، حيث أسندت إليه مسؤولية الإشراف على تأطير وتنظيم مشاركة رجال و نساء عمالة الجديدة في هذا الحدث الوطني الخالد، مساهمة منه في ملحمة إسترجاع الأقاليم الجنوبية وترسيخ الوحدة الترابية للمملكة. كما تولى فيما بعد رئاسة فرع أزمور لودادية المسيرة الخضراء بإقليم الجديدة، مواصلا رسالته في ترسيخ قيم المواطنة والوفاء للوطن.
ولم تقتصر مسيرته على العمل الوطني، بل أمتدت إلى المجالين الإجتماعي والإنساني، إذ شغل منصب رئيس المكتب المحلي لرعاية المكفوفين التابع للمنظمة العلوية الشريفة، حيث عرف بعطائه المتواصل لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة بصرية، كما كان عضوا نشيطا بالمكتب المحلي للهلال الأحمر المغربي بمدينة أزمور، مساهما في العديد من المبادرات التضامنية والخيرية التي تركت أثرا طيبا داخل المجتمع بعد أن تخلى عن العمل بالمستشفى بلعياشي إستجابة لنصيحة الوالدة رحمها الله حتى لاتكون له علاقة من المستعمر .
وبفضل سمعته الحسنة ومكانته الرفيعة، أصبح المرحوم من أبرز أعيان مدينة أزمور، وكان يحظى بثقة السلطات، حيث كان يمثل المدينة ضمن الوفود الرسمية المكلفة بتقديم فروض الطاعة والولاء لجلالة المغفور له الملك الحسن الثاني في المناسبات الوطنية، في تجسيد صادق لروح الوفاء والإخلاص التي طبعت مسيرته.
ومن الجوانب المميزة في شخصيته إعتزازه بإنتمائه الشريف إلى آل البيت، إذ كان يحتفظ بشجرة نسب تاريخية تثبت إنتسابه إلى قبيلة العروسيين بالصحراء المغربية. وقد وضع هذه الوثيقة في خدمة القضايا الوطنية، عندما بادر، خلال إحدى الزيارات الملكية للأقاليم الجنوبية، إلى توزيع نسخ منها على أعيان القبيلة، مساهمة في توحيد صفوفها وتعزيز تلاحمها خدمة للوحدة الترابية للمملكة.
كما بصم الفقيد حضوره في تدبير الشأن المحلي، حيث أنتخب عضوا بالمجلس البلدي لمدينة أزمور، وترأس جمعية آباء وأولياء التلاميذ بإحدى المؤسسات التعليمية بأزمور ، إلى جانب تقلده مهام خليفة حاكم الجماعات والمقاطعات، وهي مسؤوليات عكست حجم الثقة التي حظي بها وكفاءته في خدمة الصالح العام.
لقد كان المرحوم المكي كبريتي العروسي مدرسة في الوطنية الصادقة، ورجلا جمع بين النضال والعمل الإداري والخدمة الإجتماعية، فأستحق أن يظل إسمه محفورا في ذاكرة أزمور كأحد رجالاتها الأوفياء الذين قدموا الكثير لوطنهم دون إنتظار مقابل.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزى الله خير الجزاء كل من يخلد ذكرى الرجال الذين صنعوا تاريخ هذا الوطن بإخلاص ونكران للذات، لتبقى سيرتهم منارة تهتدي بها الأجيال القادمة.





