الملك محمد السادس أمام معركة إنقاذ المغاربة من جشع أسعار لوبيات الأدوية…
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

الملك محمد السادس لا يختلف اثنان على أن الحق في العلاج ليس امتيازاً، بل هو حق دستوري وإنساني. غير أن آلاف الأسر المغربية تجد نفسها اليوم أمام معادلة قاسية: إما شراء الدواء وإما التخلي عن حاجيات أساسية أخرى. فارتفاع أثمان عدد من الأدوية، وخاصة تلك الخاصة بالأمراض المزمنة، أصبح يثقل كاهل المواطنين ويثير أسئلة مشروعة حول مدى فعالية السياسات العمومية في حماية المرضى.
ورغم أن المغرب يتوفر على صناعة دوائية محلية مهمة، فإن العديد من المرضى وجمعياتهم يشتكون من أن أسعار بعض الأدوية تظل مرتفعة مقارنة بقدرتهم الشرائية، بينما تشير قواعد البيانات الرسمية والخاصة إلى وجود آلاف الأدوية المتداولة في السوق الوطنية بأسعار متفاوتة بشكل كبير.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أين الأحزاب السياسية؟ وأين النقابات؟ وأين الجمعيات التي ترفع شعار الدفاع عن المواطن؟ وأين الإعلام الذي يفترض أن يجعل من الحق في العلاج قضية وطنية دائمة؟ إن أداء جزء من هذه الفاعلين، في نظر كثير من المواطنين، لم يرق إلى مستوى حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المرضى، مما خلق شعوراً بأن هذا الملف لا يحظى بالأولوية التي يستحقها.
وفي العديد من الدول، تعتمد الحكومات آليات مختلفة للتفاوض على أسعار الأدوية، وتشجيع استعمال الأدوية الجنيسة، وتوسيع أنظمة التعويض، بما يساهم في تخفيف العبء المالي عن المرضى. أما في المغرب، فما زال المواطن ينتظر إصلاحات أعمق وأكثر جرأة تضمن توازناً بين تشجيع الاستثمار في القطاع الدوائي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
إن المطلوب اليوم ليس الصراع مع المستثمرين في قطاع الدواء، بل إخضاع السوق لقواعد أكثر عدلاً وشفافية، وتشديد الرقابة على تكوين الأسعار، وتشجيع المنافسة الحقيقية، وتوسيع الاعتماد على الأدوية الجنيسة ذات الجودة والفعالية، حتى لا يبقى المرض سبباً إضافياً للفقر.
وهنا يبرز سؤال سياسي ودستوري واضح: من يمنع الملك محمد السادس، بصفته رئيس الدولة وأمير المؤمنين والضامن لوحدة البلاد واستقرارها واستمرار مؤسساتها، من إطلاق مبادرة وطنية شجاعة لإعادة النظر في سياسة تسعير الأدوية، بما يحقق التوازن بين حق المواطن في العلاج ومصالح الفاعلين الاقتصاديين؟
لقد سبق للمؤسسة الملكية أن أطلقت أوراشاً اجتماعية كبرى في مجالات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، وهو ما يجعل كثيراً من المواطنين يأملون في مبادرة مماثلة لمعالجة ملف أسعار الأدوية، باعتباره من أكثر الملفات ارتباطاً بكرامة الإنسان.
إن المغاربة لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون فقط بأن لا يتحول المرض إلى حكم بالإفقار، وأن يكون الدواء في متناول الجميع، لا امتيازاً لمن يملك القدرة على الدفع.
فإذا كانت الدولة قادرة على التدخل لتنظيم قطاعات استراتيجية أخرى، فلماذا لا يكون سوق الدواء ضمن الأولويات الوطنية؟ ولماذا لا تُفتح مراجعة شاملة لسياسة التسعير، مع ضمان الشفافية والمنافسة العادلة وحماية المرضى؟
لقد أصبح من الضروري اتخاذ قرارات جريئة تعيد الثقة للمواطن، وتؤكد أن الدولة تضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار، لأن الأوطان القوية لا تُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد، بل أيضاً بقدرتها على حماية مواطنيها في لحظات المرض والضعف.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





