الملك محمد السادس والانتخابات المقبلة: هل تنقذ الإرادة الملكية المغرب من أزمة الثقة والانسداد السياسي؟
بقلم: عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

تقترب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب وسط أجواء سياسية واجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، تتسم بتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة و الغير المنتخبة ، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتنامي الإحساس العام لدى فئات واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب، بأن العملية السياسية لم تعد قادرة على إنتاج النخب والكفاءات القادرة على معالجة الأزمات المتراكمة التي تعيشها البلاد.
ومن منظور علم السياسة، فإن أي عملية انتخابية تفقد قدرتها على تجديد النخب وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع تتحول تدريجياً إلى آلية لإعادة إنتاج الأوضاع القائمة بدل تغييرها. وهذا ما يفسر حالة العزوف السياسي المتزايدة، وتراجع الاهتمام بالشأن العام، وتنامي الشعور بالإحباط لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
إن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بالانتخابات في حد ذاتها، بل بالسياق الذي تجرى فيه. فالمشهد الحزبي يعرف منذ سنوات هيمنة نفس الوجوه السياسية التي تداولت المسؤولية دون أن تنجح في تحقيق التنمية المنشودة أو الحد من الفوارق الاجتماعية أو مواجهة مظاهر الفساد والاحتكار. كما أن العديد من الأحزاب تحولت في نظر الرأي العام إلى أدوات انتخابية موسمية أكثر من كونها مؤسسات للتأطير السياسي وإنتاج الأفكار والبرامج.
وتزداد حدة هذه الأزمة مع استمرار اتهامات متداولة في المجال العام تتعلق ببيع التزكيات الانتخابية من طرف الأمناء العامين للأحزاب، وهيمنة المال والنفوذ على بعض المسارات الانتخابية، وإقصاء الكفاءات والشباب من مواقع القرار داخل عدد من التنظيمات السياسية، مما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ”الزعامات الأبدية” التي أصبحت تعيق التداول الديمقراطي داخل الأحزاب نفسها.
كما أن تنامي نفوذ جماعات المصالح الاقتصادية ولوبيات الاحتكار في قطاعات حيوية كالمحروقات والعقار والأدوية والمصحات الخاصة والمواد الاستهلاكية الأساسية و أشياء أخرى، ساهم في تعميق الشعور بأن القرار الاقتصادي والسياسي أصبح بعيداً عن انتظارات المواطنين اليومية، وأن المؤسسات المنتخبة عاجزة عن فرض قواعد المنافسة والعدالة الاجتماعية والاقتصادية وحماية القدرة الشرائية للمغاربة و مواجهة لوبيات الفساد .
وعلى المستوى الأكاديمي، تؤكد تجارب العديد من الدول أن استمرار نفس المنظومة السياسية الفاسدة و الفاشلة والمضللة و المتهالكة والانتخابية المتهالكة دون إصلاحات عميقة يؤدي إلى تآكل الشرعية السياسية للمؤسسات الدستورية و المنتخبة بالخصوص ، وإلى اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، وإلى بروز أشكال مختلفة من الاحتجاج وفقدان الثقة في الوسائط السياسية التقليدية الأحزاب والنقابات المتهالكة .
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف المشاركة الانتخابية، بل في ترسخ القناعة لدى جزء مهم من المواطنين بأن نتائج الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير ملموس في السياسات العمومية أو في طبيعة النخب المتحكمة في الشأن العام. وعندما تصل المجتمعات إلى هذه المرحلة تصبح الحاجة إلى الإصلاح العميق و معقول و بوجوه جديدة خلفيتها الوطن ضرورة وطنية وليس مجرد خيار سياسي.
واليوم يبدو واضحاً أن المغرب في حاجة إلى مراجعة شاملة للمنظومة الانتخابية والحزبية متهالكة ، وإلى ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، وإلى تجديد النخب السياسية، وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب، ومحاربة اقتصاد الريع والاحتكار، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للمواطن لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
الملك محمد السادس مفتاح الحل
في ظل هذه التحديات الكبرى، يبقى الأمل معقوداً على الملك محمد السادس، بصفته رئيس الدولة وأمير المؤمنين والضامن لاستقرار البلاد ووحدتها واستمرار مؤسساتها. فالإصلاحات الكبرى التي يحتاجها المغرب اليوم تتطلب إرادة سياسية قوية تعيد الثقة للمواطنين، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها العدالة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتجديد النخب ومحاربة الفساد والاحتكار.
إن المغرب يمتلك من الإمكانيات البشرية والاقتصادية ما يؤهله لتحقيق نهضة حقيقية، لكن ذلك يظل رهيناً بفتح صفحة جديدة تقطع مع مظاهر الفساد والريع والاحتكار، وتعيد الاعتبار للمواطن باعتباره أساس كل مشروع تنموي وديمقراطي. فمستقبل الوطن أكبر من الأحزاب والأشخاص والمصالح الضيقة، وهو مسؤولية جماعية تتطلب الشجاعة والإرادة والإصلاح قبل فوات الأوان.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





