24 ساعةالواجهةثقافة وفنون ومؤلفاتفضاء الجمعيات

النقد السينمائي… فن الرؤية والتحليل والتأويل

من المتعة إلى الوعي السينمائي

النقد السينمائي ليس ترفًا ثقافيًا، ولا هو تكميلٌ هامشي للعمل الفني، بل هو ممارسة فكرية جادة، تقوم على تفكيك الخطاب البصري والسمعي الذي يقدّمه الفيلم، وتحليله في ضوء المرجعيات الجمالية والثقافية والفكرية. هو فعل قراءة متأنية للصورة، وتفسير للغة السينمائية، واستجلاء للدلالات العميقة التي قد لا تبدو جلية في المشاهدة الأولى.

في زمن اجتياح المحتوى السريع، وهيمنة التقييمات التجارية، و”اللايكات”، والتصنيفات النمطية من نجمة إلى خمس، أصبح النقد السينمائي مهددًا بالانقراض أو بالتسطيح. غير أن الحاجة إليه اليوم أبلغ من أي وقت مضى، خصوصًا في ظل كثافة الإنتاجات السينمائية، وتنوعها، وتداخل الجمالي بالسياسي، والتقني بالإيديولوجي.

التمييز ضروري بين ما يسمى بـ”الرأي الانطباعي” وبين النقد بالمعنى العلمي والثقافي. فبينما يعبّر الأول عن شعور لحظي تجاه الفيلم (أحببته/لم يعجبني)، يقوم الثاني على أدوات تحليلية دقيقة: البناء الدرامي، الإخراج، السيناريو، الأداء التمثيلي، الإيقاع، المونتاج، التوظيف الموسيقي، وغيرها من العناصر التي تشكّل بنية الفيلم.

النقد لا يسعى إلى “الحكم” فقط، بل إلى الفهم والتأويل. فالنقد الجاد لا يكتفي بوصف ما يراه، بل يحاول أن يكشف ما خلفه، وأن يربط الفيلم بسياقه الثقافي والاجتماعي والسياسي.

في العالم العربي، يعاني النقد السينمائي من عدة معضلات: غياب التكوين الأكاديمي المتخصص، هيمنة المجاملات في الكتابة الصحفية، غياب المجلات السينمائية المتخصصة المستمرة، إضافة إلى ضعف ثقافة القراءة والتحليل داخل الجمهور العام.

رغم ذلك، برزت أسماء ناقدة لها باع طويل في هذا الحقل، من أمثال: سمير فريد، وطارق الشناوي، ونديم جرجورة، وحسن حداد. هؤلاء، وغيرهم، سعوا إلى تأصيل خطاب نقدي عربي، قادر على مواكبة التحولات الجمالية والرمزية التي تعرفها السينما العربية والعالمية.

إن تطوير النقد السينمائي في العالم العربي يمر عبر مجموعة من الشروط:

  1. إدماج النقد السينمائي في التكوين الأكاديمي والجامعي.
  2. إحياء النوادي السينمائية التي تنشر ثقافة التلقي النقدي.
  3. تشجيع المجلات والمنصات الرقمية المتخصصة في السينما.
  4. ربط النقاد بصنّاع الفيلم في فضاءات نقاشية مفتوحة.

النقد ليس فقط أداة للتقويم، بل هو مدرسة لرؤية الصورة بطريقة جديدة. فالمُشاهِد الذي يقرأ نقدًا محترفًا يبدأ تدريجيًا في اكتساب مهارات التذوق البصري، وفهم اللغة السينمائية، وقراءة الرموز والدلالات.

وهنا يتقاطع النقد السينمائي مع التربية الفنية والبصرية، حيث يُصبح أداة لتحرير المُشاهِد من التلقي السلبي، ويمنحه أدوات للتمييز بين الغث والسمين، بين الفيلم الذي يفتح الأسئلة، وذلك الذي يستهلكها.

في ظل التحولات السريعة التي تعرفها الصناعة السينمائية، يبقى النقد ضرورة لا غنى عنها. فالنقد لا يقتل الفيلم، كما يعتقد البعض، بل يمنحه حياة جديدة داخل الوعي الثقافي. إنه الجسر بين الشاشة والمتفرج، بين اللغة السينمائية والفكر المجتمعي. وكما قيل يومًا: “النقد الجيد، هو الفيلم الثاني الذي نشاهده بعين العقل…”

فهل سنشهد، في السنوات القادمة، نهضة نقدية حقيقية تواكب الحركية السينمائية العربية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى