النقل المدرسي بين التهور والضياع: عندما تتحول وسيلة الدعم إلى مصدر للخطر


أعادت الحوادث الأخيرة التي شهدها قطاع النقل المدرسي إلى الواجهة نقاشًا قديمًا ومتجددًا حول أهلية السائقين المكلفين بنقل التلاميذ، وحول واقع قطاع يفترض أن يكون رافعة لدعم التمدرس والحد من الهدر المدرسي، فإذا به في كثير من الأحيان يتحول إلى مصدر للقلق والمخاطر.

فبين سائق يتخذ من النقل المدرسي مهنة مستقرة يعيل منها أسرته، وآخر وجد نفسه خلف المقود بشكل مؤقت بحثًا عن مورد رزق يسد به حاجاته اليومية، تتداخل المسؤوليات وتضيع المعايير المهنية التي يفترض أن تؤطر هذا المجال الحساس المرتبط مباشرة بسلامة الأطفال ومستقبلهم.
وتكشف الحوادث المتكررة أن إسناد مهمة نقل التلاميذ لا يخضع دائمًا لمعايير واضحة ترتكز على الكفاءة والخبرة والتكوين، بل يتم أحيانًا وفق اعتبارات عشوائية لا تراعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتق السائق. كما أن عدداً من هؤلاء السائقين يشتكون من ضعف الأجور التي لا تتجاوز في كثير من الحالات الحد الأدنى للأجور، رغم أنهم يتحملون مسؤولية عشرات الأرواح بشكل يومي.
ولا تقف المشاكل عند حدود العنصر البشري، بل تمتد إلى وضعية المركبات نفسها. فالكثير من وسائل النقل المدرسي تفتقر إلى الصيانة الدورية، وبعضها يشتغل في ظروف تقنية متدهورة، فيما يتم التغاضي أحيانًا عن مراقبة الوثائق القانونية والتأمينات والفحوصات التقنية. والأسوأ من ذلك أن عدداً من المركبات يعرف اكتظاظًا كبيرًا يفوق طاقتها الاستيعابية، حيث يتم نقل أربعين راكبًا أو أكثر في ظروف تفتقر إلى أبسط شروط الراحة والسلامة.
وفي بعض الحالات تتحول الحافلات بعد سنوات قليلة من الاستعمال إلى فضاءات مكتظة يتم فيها إزالة المقاعد أو تعديلها بشكل عشوائي لاستيعاب أكبر عدد ممكن من التلاميذ، في مشهد لا يليق بأبناء وبنات المدرسة العمومية الذين يفترض أن يحظوا بظروف نقل تحفظ كرامتهم وأمنهم.
كما يطرح غياب التكوين المتخصص للسائقين إشكالاً حقيقيًا، إذ لا يتلقى العديد منهم تكوينات في مجال السلامة الطرقية الخاصة بنقل الأطفال أو الإسعافات الأولية والتعامل مع الحالات الطارئة، وهو ما قد يزيد من خطورة أي حادث أو ظرف استثنائي.
وتزداد الوضعية تعقيدًا بسبب غياب المرافقين أو المشرفين داخل الحافلات، خاصة عند نقل الأطفال الصغار، الأمر الذي يجعل السائق مضطرًا إلى الجمع بين القيادة ومراقبة الركاب، وهو وضع يشكل خطرًا على الجميع ويصعب معه ضبط سلوك التلاميذ أو حمايتهم من العنف والتنمر أو أي تجاوزات أخرى.
كما يواجه القطاع إشكالات قانونية وتأمينية متعددة، إذ إن بعض المركبات لا تتوفر على تغطية تأمينية كافية، مما يطرح تساؤلات حول مصير الضحايا وحقوقهم عند وقوع الحوادث.
ومن جهة أخرى، يعاني السائقون أنفسهم من أوضاع اجتماعية ومهنية هشة، تتمثل في ضعف الأجور، وغياب التغطية الصحية والاجتماعية في بعض الحالات، وساعات العمل الطويلة، فضلاً عن تحملهم مسؤولية جسيمة دون مواكبة أو دعم كافيين.
أما في الوسط القروي، فتتخذ المعاناة أبعادًا أكثر تعقيدًا. فكثير من التلاميذ يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى نقاط التجمع، ويتحملون قساوة الأمطار والبرد والحرارة قبل وصول الحافلة، بينما تتحول بعض المسالك والطرقات إلى عوائق حقيقية خلال فصل الشتاء، الأمر الذي يساهم في ارتفاع نسب الغياب والهدر المدرسي.
ولا يمكن الحديث عن مشاكل النقل المدرسي دون التطرق إلى ضعف البنية التحتية الطرقية في عدد من المناطق، وغياب مواقف مهيأة للحافلات، ونقص التشوير الطرقي، وهي عوامل تزيد من احتمالات وقوع الحوادث وتؤثر على جودة الخدمة.
كما أن التأخر المتكرر للحافلات أو الانقطاع المفاجئ للخدمة بسبب الأعطاب أو مشاكل التمويل ينعكس سلبًا على الزمن المدرسي وعلى مردودية التلاميذ النفسية والتربوية، حيث يصل بعضهم إلى المؤسسات التعليمية في حالة من التعب والإرهاق قبل بداية الحصص الدراسية.
وفي عصر الرقمنة، ما يزال قطاع النقل المدرسي متأخرًا في اعتماد الوسائل التكنولوجية الحديثة، إذ تفتقر أغلب الحافلات إلى أنظمة التتبع الجغرافي (GPS) أو وسائل التواصل الفوري مع الأسر، مما يجعل أولياء الأمور في حالة قلق دائم عند حدوث أي تأخير أو طارئ.
كما تبرز إشكالية الحكامة والتدبير، حيث تشتغل بعض الجمعيات المشرفة على القطاع في ظل غياب دفاتر تحملات واضحة وآليات صارمة للمراقبة والتقييم، وهو ما يفتح الباب أمام اختلالات في التسيير والتدبير وتوزيع المسؤوليات.
ويبقى الجانب الأكثر حساسية هو حماية الأطفال داخل وسائل النقل المدرسي، من خلال توفير بيئة آمنة وخالية من كل أشكال العنف أو التحرش أو الإهمال، عبر اعتماد آليات للمراقبة والتبليغ والتتبع، وضمان توفر العاملين في القطاع على الشروط القانونية والأخلاقية اللازمة.
إن هذه الوضعية المركبة تكشف أن أزمة النقل المدرسي ليست مجرد مشكلة سائق أو حافلة أو طريق، بل هي منظومة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والقانونية، وتستدعي تدخلًا عاجلًا لإعادة تنظيم القطاع وضمان حق التلميذ في التنقل الآمن والكريم نحو مؤسسته التعليمية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كان النقل المدرسي يمثل جسراً نحو الحق في التعليم، فكيف تحول في بعض المناطق إلى رحلة يومية محفوفة بالمخاطر؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية آلاف التلاميذ الذين يضع آباؤهم حياتهم بين أيدي هذا القطاع كل صباح؟





