
نور الدين ودي
حين يصبح البحر ، بكل ما يحمله من خطر وغرق وموت ، أكثر إغراءً من البقاء في الوطن ، فإن القضية لم تعد مجرد هجرة غير نظامية ، ولم تعد أزمة مراقبة حدود ، بل أصبحت أزمة ثقة في المستقبل . فالهجرة الجماعية التي تشمل الشبابb، والفتيات ، والقاصرين ، بل وحتى أسرًا تحمل أطفالها الرضع ، ليست حدثًا عابرًا ، وإنما مؤشر خطير على وجود خلل يستحق وقفة وطنية صادقة .
لقد اعتاد المغاربة سماع أرقام تتحدث عن النمو والاستثمار وإنجازات البرامج الحكومية ، لكن الواقع يفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا ، لماذا يختار آلاف الشباب ركوب قوارب الموت إذا كانوا يرون أن المستقبل ينتظرهم داخل وطنهم !!؟ ولماذا تتسع الظاهرة بدل أن تنحسر !!؟
إن الإنسان لا يغامر بحياته عبثًا ، ولا يودع أهله ويواجه البحر إلا عندما يقتنع بأن ما ينتظره على اليابسة لم يعد يمنحه أملاً كافيًا . ولذلك فإن الهجرة الجماعية ليست إدانة للحدود بقدر ما هي رسالة احتجاج صامتة على الإحباط وفقدان الثقة .
لقد هزت الرأي العام صورة شابة وصلت إلى الضفة الأخرى وهي ترفع علامة النصر . لم يكن ذلك احتفالًا بعبور البحر فقط ، بل كان ، في نظر كثيرين ، إعلانًا عن الانتصار على اليأس . وفي المقابل ، لا تصل صور الذين ابتلعهم البحر أو اختفوا في أعماقه ، لكن غيابهم لا يمنع استمرار القوارب في الإبحار ، لأن الأمل في المغادرة أصبح عند بعض الشباب أقوى من الخوف من الموت .
إن التقارير الرسمية التي تنبه إلى تحديات التشغيل والإدماج الاقتصادي ينبغي أن تكون منطلقًا للمراجعة لا مناسبة للتبرير. فنجاح أي سياسة عمومية لا يقاس بما يُعلن عنها ، وإنما بما ينعكس على حياة المواطنين . وعندما تتحول الهجرة إلى حلم جماعي ، فإن ذلك يعني أن هناك فجوة بين ما يُقال في الخطاب الرسمي وما يشعر به جزء من الشباب في واقعهم اليومي .
إن المغرب يحتاج اليوم إلى معركة من نوع آخر ؛ معركة استعادة الثقة . فالشباب لا يريد خطابات مطمئنة بقدر ما يريد عملاً يحفظ كرامته ، وتعليمًا يفتح له الآفاق ، وعدالةً تكافئ الكفاءة ، وتنميةً يشعر بثمارها في حياته.
الهجرة الجماعية ليست انتصارًا للمهربين ، بل هي هزيمة للأمل . وإذا لم تتحول هذه الظاهرة إلى جرس إنذار يدفع إلى مراجعة السياسات المرتبطة بالتشغيل والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ، فإن قوارب الموت ستظل تمتلئ ، وسيبقى الوطن يخسر أغلى ما يملك : شبابه ، وهم ثروته الحقيقية ورهانه الأكبر على المستقبل.






