
مسرور المراكشي :
تمهيد :
بداية نتفق أن الهجرة شيء مشروع لا لبس فيه، من أجل تغيير الوضع المعيش أو الاستزادة من العلم، أو فرارا من الظلم بحثا عن الحرية، وهذا شيء حصل في الزمن القديم مثلا قصة أهل الكهف، الفتية الذين فروا بدينهم من الملك الطاغية، أو الهجرة التي غيرت مجرى التاريخ، عندما هاجر محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، كما أمر الرسول عليه السلام مجموعة من الصحابة بالهجرة، بالمفهوم العصري يعد هذا طلب اللجوء السياسي عند ملك مسيحي عادل، إنه النجاشي ملك الحبشة الذي أسلم رحمه الله، وهي فوق ذلك أمر إلهي لمن منع من عبادة الله بكل حرية، حيث لم يقبل الله عذر من قالوا إنهم كانوا مغلوبين على أمرهم : (..إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ..)، إن ذنب هؤلاء الوحيد هو عدم الهجرة فرارا بدينهم، فكان المصير جهنم عقابا لهم على تخاذلهم، و مناسبة الحديث عن الهجرة هي الأحداث المأساوية في سبتة و مليلية المحتلتين، إذا وضعنا جانبا العامل الاقتصادي للهجرة، فهل هناك عوامل أخرى مثلا السياسي و الثقافي أو الديني..؟ ثم هل كان توقيت هذا الزحف نحو المدينتين المحتلتين بريئا…؟ أم أن هناك أياد داخلية و خارجية تريد العبث باستقرار البلاد..؟ سأحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من وجهة نظري قدر المستطاع، دون الادعاء أني أملك الحقيقة الكاملة فالأمر جد معقد، تداخل فيه الاقتصادي مع السياسي والثقافي مع الإجتماعي..، المهم احريرتنا احريرا …
_ يقال : ( حتى مش ما كيهرب من دار العرس ) :
هنا الكلام عن الدافع الاقتصادي نحو الهجرة إلى الخارج، حسب المثل أعلاه من المنطقي أن يمكث القط في ( دار العرس )، السبب بسيط هو توفر كل أسباب العيش الكريم و الرغيد، إذن إذا كانت البلاد هي ” دار العرس” فيها كل ما يتمناه القط، فلماذا يختار المغربي إذن الهروب منها و يلقي بنفسه إلى المجهول..؟ أنا لا أشتم أو ألوم هؤلاء المساكين على الهجرة، لقد قلت في المقدمة أن تحسين ظروف المعيشة أمر مشروع، أتذكر بكل مرارة و أسف أغنية الفنان نعمان لحلو ولطيفة رأفت، وخاصة اللازمة ( أمانة يا مركب اديني لبلادي المغرب )، اليوم مغاربة المهجر رفضوا ركبو هذا المركب إلى المغرب، لكن مغاربة الداخل هم من ركبوا المركب لكن إلى المهجر…!!، لقد سبق أن حذرت من تصرفات حكومة الباترونا، وقلت أنها تساهم بشكل فعال في تخريب الدولة، و تسريع وتيرة انقضاء العهد الملكي بالمغرب، لن أتحدث عن سرقة لفراقشية أو تزوير فواتير استيراد المحروقات، ولا عن الاستفادة من الصفقات العمومية بطرق احتيالية، نموذج تحلية مياه البحر أو مشكل الغلاء الفاحش، فقط تأملوا معي هذه الأرقام لقد تسلم أخنوش الحكومة، وعدد المليارديرات 4,400، أي الأشخاص الذين تجاوزت ثرواتهم المليار، وبعد أقل من خمس سنوات أصبحوا 7500 ملياردير، أي بزيادة 3100 ملياردير دفعة واحدة، إذن ما هي مصادر هذه الملايير، فهل هذه الأموال من عرق الجبين اللهم لا حسد..؟، أم هي إرث الأجداد أم هي كنوز قارون فتحت لهم..؟ أم هي من بركات خفة اليد ..؟ إذن كيف أصبح عندنا هذا الرقم الكبير من أصحاب الملايير في ظرف قياسي..؟ إنني أعتبر أن ما تمت سرقته من المال العام، منذ الاستقلال إلى يوم تنصيب هذه الحكومة شيء، و ما تم نهبه من المال العام بعد تنصيبها شيء آخر تماما…
_ أسباب أخرى للهجرة :
بعد الكلام عن العامل الاقتصادي في دفع الناس إلى الهجرة، نمر إلى الدين فهل هو من الأسباب التي تدفع المغاربة إلى الهجرة..؟
الحمدلله ليس هناك سبب ديني للهجرة إلى حد الساعة، رغم المقاربة الأمنية في تسيير الشأن الديني، نموذج خطة تسديد التبليغ التي حدت من حرية الإمام، وتعرض بسببها العديد منهم للفصل عند رفضهم تطبيقها، على العموم هناك ارتياح نسبي لعموم المصلين في هذا المجال، أما عن العامل السياسي أظن أن تأثيره ضعيف، هناك بعض المعارضين في الخارج لكن عددهم قليل، ثم يأتي تأثير العامل الثقافي والاجتماعي، حيث ينظر الناس إلى المهاجر نظرة احترام، يطلب الزواج فيجاب طلبه على الفور، ويكون مرحباً به من طرف الدولة عملية”مرحبا ” والناس كذلك، كما أصبحت ثقافة ( الزماݣري ) أي المهاجر مطلوبة لذاتها، حكى لي صديق أن أحد أثرياء البادية في بني ملال، كان عنده ابن واحد كلفه بإدارة ضيعة فلاحية، فيها قطعان البقر و أشجار الزيتون يودع كل شهر الملايين في البنك، بعد سنوات تمكن عمال الضيعة من الهجرة إلى إسبانيا، ثم رجعوا بسيارات فارهة تفوق ما عند ابن مالك الضيعة، مما أثار حفيظة هذا الأخير و أصبح حلم الهجرة يراوده، حاول الوالد منعه لكن دون جدوى فكان الهلاك غرقا…
_ الهروب الجماعي نحو بوابة سبتة المحتلة و مليلية :
إن اقتحام المدينتين المحتلتين سبتة و مليلية، ليس بالأمر الطارئ إذ يتم ذلك بين الفينة و الأخرى، سواء من طرف الأفارقة أو المغاربة، لكن هذه السنة كان التوقيت مريبا وكذلك عدد الضحايا و المقتحمين، الملك يلقي خطابا بمناسبة عيد العرش، فيه أمل نهضة البلاد و تنزيل مشاريع كبرى…، ثم يأتي الرد على بعد كيلومترات قليلة من القصر الملكي بتطوان، بفتح معبر سبتة المحتلة و مليلية ليكون الهروب الجماعي، ويصبح الكلام عن التنمية المستدامة شيئا يسخر منه المغاربة، كما أن عدد المقتحمين بلغ حوالي 50 ألف وهذا شيء غير مسبوق، وعدد الضحايا وصل إلى أزيد من 90 طبعا الأرقام غير مؤكدة ببلاغ رسمي، كما تعددت الآراء حول من دبر هذه الأحداث المأساوية، فهناك من يقول أن ( إسرائيل) متورطة في المشكل، لمعاقبة الرئيس الإسباني بسبب موقفه المعادي للصهاينة، و هناك من يقول بأن أيادي داخلية تريد العبث باستقرار البلاد، و خاصة أننا في سنة انتخابية، ربما قد تؤدي هذه الأحداث إلى تأجيلها أو حتى إلغائها، وهناك من ذهب إلى فرضية ضرب الاستثمار والسياحة و عرقلة تنظيم كأس العالم…، المهم تعددت الأراء حول المتورطين و الأهداف كذلك، لكن النتيجة في كل الأحوال هي صفعة قوية للمملكة و استقرارها، علق أحد الظرفاء على مشهد الهروب الجماعي حيث قال : ( إذا استمر الوضع الاقتصادي في التدهور، و تدني مستوى المعيشة للمغاربة بشكل كارثي، فإن آخر مغربي و قبل القفز في البحر طلبا للهجرة، يلتفت إلى الوراء ويطلب من رئيس الحكومة أخنوش غلق باب الوطن بإحكام…





