
بقلم: محمد أمين سملالي
ليست كل الظواهر مجرد أحداث عابرة. فبعضها يتحول، مع مرور الزمن، إلى رسالة يبعث بها المجتمع إلى نفسه، وإلى مرآة تعكس ما يعتمل في داخله من تحولات وأسئلة عميقة.
والهجرة غير النظامية واحدة من هذه الظواهر، فهي ليست مجرد رحلة محفوفة بالمخاطر نحو الضفة الأخرى، ولا مجرد أرقام تتغير من سنة إلى أخرى، وإنّما هي قضية تستحق أن نتوقف عندها، لا لنحصي ضحاياها، بل لنتسأل: ما الذي تضمره من هشاشة تهدد مستقبلنا؟ وما مدى مسؤولياتنا عن الأجيال الصاعدة؟ ألسنا مهددين بفقدان ما تبقى من ثقةٍ في هذا الوطن، ولا سيّما أن الأمر يتعلّق بمصير… لا يكفي أن نعلّق شواهد موت على جدران مواقع التواصل، لنعلن أننا نحضر شهادة موت… بعد وقفنا متفرجين على من لم نمنحهم شهادةً للحياة؟
جذور قديمة… وأسباب متجددة
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة جديدة في المغرب. فمنذ عقود، ارتبطت مدن وقرى كثيرة بقصص الرحيل، وعاشت أسر عديدة على وقع انتظار خبر نجاة، أو تلقي نبإ فاجعة.
كما أن الحلم الأوروبي ليس وليد اليوم، ولا هو نتاج وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، بل رافق أجيالاً متعاقبة، وتغذى من الفوارق في مستويات العيش، ومن قصص النجاح التي كان يحملها بعض المهاجرين العائدين كل صيف، بينما بقيت حكايات المعاناة والغربة والإخفاق أقل حضوراً في الذاكرة الجمعيّة، وكأن المجتمع اختار أن يحتفظ بصورة النجاح، ويطوي الوجه الآخر للحكاية.
غير أن الاعتراف بقدم الظاهرة لا يعني أن أسبابها بقيت على حالها، أو أن دلالاتها لم تتغير. فما يلفت الانتباه اليوم ليس استمرار الهجرة في حد ذاته، وإنّما اتساع دائرة الراغبين فيها، وتنوع الفئات التي باتت تفكر فيها، والأسئلة الجديدة التي تفرضها.
فالهجرة التي ارتبطت طويلاً بالفقر أو البطالة تبدو اليوم أكثر تعقيداً من أن تُختزل في هذين العاملين وحدهما، وهو ما يدفع إلى النظر إليها بوصفها ظاهرة تتجاوز الاقتصاد لتلامس علاقة الإنسان بمستقبله، وإحساسه بإمكان تحقيق ذاته داخل وطنه.
ما وراء الاقتصاد.. تطلعات لا تشبع
لا يعني ما قلناه سابقًا التقليل من أثر الأوضاع الاقتصادية، فهي تظل عاملاً أساسياً في تفسير كثير من حالات الهجرة. لكن المشهد الحالي يكشف أن الرغبة في المغادرة لم تعد حكراً على العاطلين عن العمل أو الفئات الأكثر هشاشة. فمن بين الراغبين في الهجرة نجد الطالب، والعامل، والحرفي، والرياضي، وصاحب الشهادة، بل أصحاب الشواهد العليا…. وهذا التنوع يفرض علينا أن نطرح سؤالاً مشروعاً: هل تكفي الحاجة الاقتصادية وحدها لتفسير كل ما يحدث؟
الواقع أن الإنسان لا يتخذ قراراته الكبرى بناءً على ظروفه المادية فقط، بل أيضاً على الصورة التي يرسمها لمستقبله. فالناس لا يقارنون بين ما يملكونه اليوم فحسب، بل بين ما يعتقدون أن بإمكانهم أن يصبحوا عليه غداً. وحين تتسع الفجوة بين التطلعات والواقع، ويشعر الشاب بأن سقف أحلامه يصطدم بسقف الفرص المتاحة، يصبح الرحيل، بالنسبة إلى البعض، احتمالاً يستحق المجازفة.
ولعل ما يثقل كاهل كثير من الشباب اليوم ليس الفقر المادي وحده، بل أيضاً الشعور بأن الجهد لا يُكافأ دائماً، وأن الكفاءة ليست، في جميع الأحوال، الطريق الأقصر إلى التقدير، وأن المستقبل قد تحكمه اعتبارات لا علاقة لها بالاستحقاق. وسواء كان هذا الشعور دقيقاً في كل الحالات أم لا، فإنه يترك أثراً عميقاً في نظرة الشباب إلى حاضرهم ومستقبلهم، ويؤثر في قراراتهم واختياراتهم.
وسائل التواصل… أكثر من مجرد منصات
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي أصبحت تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي. فهي لا تصنع الهجرة، لكنها تصنع الصورة التي تنفذ بها إلى عقول الشباب. ألم تعد هي وليّ الأمر الذي يصحبهم ليل مساء، ويمنحهم حقّ الشكوى والأمل… بل ويمنحهم الحلول ويقدم لهم الوصفات؟
تعرض وسائل التواصل الاجتماعي قصص النجاح أكثر مما تبرز الطريق الطويلة إليه، وتنقل صور الاستقرار أكثر مما تنقل سنوات الانتظار، أو صعوبة الاندماج، أو الإخفاق. ومع الإغراق والتكرار، تبنى لدى كثير من الشباب صورة تجعل الخارج أقرب إلى فضاء للفرص، بينما يفقد الداخل، تدريجياً، جزءاً من قدرته على الإلهام… بمعنى أنها تعبر به الحدود، والحدود هنا تتجاوز الفضاء الواقعي… نقصد الحدود الفاصلة بين الحلم والواقع.
غير أن السؤال لا ينبغي أن يقف عند حدود تأثير المنصات الرقمية، بل يتجاوزها إلى ما هو أعمق: لماذا أصبحت هذه المنصات أكثر قدرة على التأثير في الشباب من المؤسسات التي يفترض أن تضطلع بأدوار التأطير والتوجيه؟
فحين تنتشر، في ظرف وجيز، روايات أو دعوات أو تصورات تدفع أعداداً كبيرة من الشباب إلى اتخاذ القرار نفسه، فإن ذلك يكشف قوة الفضاء الرقمي على تجاوز الحدود التي أشرنا إليها سابقا، ويكشف أيضًا عن ضعف الفضاءات التقليدية في بناء الوعي النقدي، لأنه محكوم بتصور قديم لمعنى الحدود… فالمدرسة، والأسرة، والإعلام، والأحزاب، والنقابات، والجمعيات، ليست مطالبة فقط بتقديم أجوبة بعد وقوع الأحداث، بل بصناعة مناعة فكرية تجعل الشباب أكثر قدرة على التمييز بين الأمل المشروع والوهم، وبين الفرصة الحقيقية والمجازفة غير المحسوبة. وعندما نذكر هذه المؤسسات التي تعتبر أرقى ما وصله المجتمع الإنساني في بناء مدَنيّته، فحتمًا نحن نتهمها… أو على الأقل نرى أنّ به خللًا… منه يتسرب مستقبل اتخاذ القرار.. بل وتقرير المصير.. ونشدد على أن هذا المصير جماعي… وأنّ بناءه جماعيّ وتعاقديّ..
ومن هنا نسوّغ السؤال آخر الذي يؤرقنا، ولكننا نتجاهله، ونجعله في خانة “طيّ الكتمان”: هل ما زالت هذه المؤسسات قادرة على إقناع الشباب بأن الاجتهاد يمكن أن يفتح أبواب المستقبل، وأن الكفاءة تجد طريقها إلى التقدير، وأن الانتماء إلى الوطن يمكن أن يكون رافعة لتحقيق الذات، لا عائقاً أمامها؟
الهجرة غير النظامية… مؤشر على حالة المجتمع
ليست هذه الأسئلة اتهاماً لأحد، بقدر ما هي دعوة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة للهوية التي تنفلت “مهاجرة” بأحلامنا. فالهجرة غير النظامية لا يمكن اختزالها في ملف للتشغيل، ولا في قضية أمنية، ولا في نقاش حول الحدود، بالتصور التقليدي لهذه الحدود.
إنها قضية ترتبط أيضاً بجودة التعليم، وتكافؤ الفرص، والحراك الاجتماعي، والثقافة، والرياضة، والمشاركة المدنية، وبالصورة التي تتكون لدى الشباب عن إمكان بناء مستقبلهم داخل بلدهم.
فنجاح أي مجتمع لا يُقاس فقط بما ينجزه من مشاريع أو بما يحققه من مؤشرات اقتصادية، بل أيضاً بقدرته على إنتاج الثقة، وهي صناعة ثقيلة تحدد بها المجتمعات بوصلتها في جغرافيا تشمل الأرض والإنسان… والحق في تحقيق “الحلم المغربيّ”.
والثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما حين يشعر المواطن بأن جهده له قيمة، وأن القانون يحميه، وأن الكفاءة تُقدَّر، وأن المستقبل ليس امتيازاً محجوزاً لقلة، بل أفقاً مفتوحاً لكل من يجتهد. لذلك، فإن الهجرة غير النظامية تستحق أن تُقرأ بوصفها مؤشراً من بين مؤشرات أخرى على حالة المجتمع. فهي لا تخبرنا فقط إلى أين يريد بعض الشباب أن يذهبوا، بل تدفعنا إلى التساؤل عن الأسباب التي تجعلهم يعتقدون أن فرصهم في مكان آخر أكبر مما هي هنا. ومن ثمّة، فالسؤال الأهم: كيف نجعل البقاء خياراً؟
وهو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا أكثر من السؤال المكرور المسكوك: كيف نحد من الهجرة غير النظامية؟
السؤال واضح ومباشر: كيف نجعل البقاء خياراً يختاره الشباب عن اقتناع، لا مجرد واقع يفرض نفسه عليهم؟ وكيف نستعيد ثقة الأجيال الجديدة في أن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا، لا أن يُبحث عنه دائماً في مكان آخر؟
حين يصبح البحر، في نظر بعض الشباب، أكثر وعداً من اليابسة، لا يكون البحر قد تغيّر، بل تكون اليابسة قد فقدت جزءاً من قدرتها على منحهم ما يبحثون عنه من أفق، وثقة، ومعنى لـ”تمغريبيت”.
تمارس الدول الأوروبية بمؤسساتها خياراتها في استقبال المهاجرين أو رفضهم، تبني تصوراتها للحدود تارة بالعنصرية، وتارة أخرى بالشعارات الإنسانية… ألم يحن الحين لنعيد امتلاك فضاء نحن من يحدد حدوده؟ وإن لم نستطع، فلنمح الأجيال حقّها في الرسم… نعم في رسم حدود وطن يسع أحلامها… وحينها ربّما تنزاح الكوابيس التي تفجعنا.





