الواجهة

الوطنية الاداتية…. أو سيكولوجية “الولاء الأداتي”

بقلم: عبد العزيز بن صالح 
بالاحمر
الوطنية الاداتية…. أو
سيكولوجية “الولاء الأداتي”: تفكيك أبعاد الوطنية الرمزية والتعويض النفسي
يمكن تناول ظاهرة “المزايدة بالولاء” وتوظيف الدفاع عن الوطن أو الحاكم من زاوية تحليلية عامة دون إصدار أحكام قطعية . وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي يمنحاننا المفاهيم والأدوات المعرفية التي تساعد على فهم هذه الديناميكية وتفكيك أبعادها السلوكية داخل الفضاء العام.
فحين يتحول الدفاع عن الوطن أو السلطة من موقف سياسي عقلاني قابل للنقاش والتمحيص، إلى “درع رمزي” دائم يختبئ خلفه الفرد، فإن الأمر يعكس منظومة معقدة من الآليات النفسية، والاجتماعية، والمعرفية.
أولا: المنظور السيكولوجي وسيكولوجية التعويض
في العمق السيكولوجي للفرد، تظهر أولى هذه الآليات في البحث عن الهوية بالانتماء. فبعض الأفراد لا يبنون مكانتهم الاجتماعية أو تقديرهم لذواتهم على إنجاز شخصي ملموس أو رصيد فكري أو كفاءة مهنية حقيقية بل يستمدون قيمتهم حصرا من قربهم الرمزي من السلطة، أو من احتكار الحديث باسم الوطن. فيتحول شعار “أنا أكثر وطنية” إلى آلية دفاعية لتعويض شعور باطني بالنقص أو الهشاشة في مجالات الحياة الأخرى.
ويرتبط هذا السلوك بما يسميه علماء النفس “التماهي مع القوة”. فالإنسان الذي يشعر بالضعف أو التهميش قد يميل غريزيا إلى الالتحاق رمزيا بالطرف الأقوى في بيئته، فيستعير هيبته وقوته ليشعر بالأمان. في هذه الحالة، لا يدافع الفرد عن السلطة ككيان سياسي بقدر ما يدافع عن “الصورة الذاتية الممتلئة” التي تمنحه إياها تلك السلطة عن نفسه. ولذلك يُترجم أي نقد موجه للحاكم أو للمؤسسات في وعيه وكأنه اعتداء شخصي مباشر يستهدف وجوده.
وقد أشار عالم النفس الإنساني إريك فروم إلى هذه الديناميكية بدقة، مؤكدا أن بعض الأفراد يهربون من “قلق الحرية” والمسؤولية الفردية بالارتماء في أحضان سلطة أكبر تمنحهم شعورا مطلقا بالأمان والانتماء الاندماجي.
ثانيا: البعد المعرفي وآلية الإسقاط
من الناحية المعرفية، يعاني هذا النمط من الشخصيات من “التفكير ثنائي القطب” حيث ينقسم العالم في ذهنه إلى خانتين لا ثالث لهما: (مطلق الولاء والتأييد = وطني شريف) مقابل (منتقد أو متحفظ = خائن وعميل).
هذا الاختزال المعرفي يؤدي مباشرة إلى ممارسة الإسقاط السيكولوجي، فالشخص الذي يفتقر إلى الحجة العقلانية والقدرة على مقارعة الفكرة بالفكرة، يلجأ لا شعوريا إلى إسقاط هشاشته الفكرية على الآخر من خلال التشكيك في “نواياه” وأخلاقياته بدلا من تفنيد معطياته. ومن مظاهر هذه الشخصية الميل الدائم إلى الاحتماء بالمقدسات السياسية بدل خوض النقاش بالحجج، فيجري استدعاء الوطن أو الملك أو الدولة كسلطة عليا مطلقة لإسكات الخصم وإغلاق باب الحوار. وهذا السلوك غالبا ما يدل على ضعف الثقة في القدرة الذاتية على الإقناع أكثر مما يدل على قوة القضية التي يدافع عنها.
ثالثا: البعد السوسيولوجي واستثمار “رأس المال الرمزي”
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الظاهرة تتجاوز مجرد الاضطراب الفردي لتصبح استراتيجية واعية أو غير واعية لاكتساب النفوذ. وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هذه الممارسات بأنها محاولة لاكتساب “سلطة رمزية” من خلال الارتباط الاحتكاري بمصادر الشرعية والقوة.
الوطنية هنا لا تُمارس كواجب مدني أو تعاقد أخلاقي بل تُستثمر كـ “رأس مال رمزي” يمنح صاحبه حصانة أخلاقية مزعومة، تسمح له بمهاجمة الآخرين وتخوينهم وإقصائهم من الفضاء العام. إن القرب من الخطاب الرسمي يصبح أداة لتبوّأ مكانة أو نيل امتيازات أو تحقيق حضور اجتماعي لولا هذا التوظيف لكان بعيد المنال.
رابعا: الفضاء الرقمي واقتصاد الانتباه المعاصر
في العصر الراهن، لم تعد هذه الظاهرة حبيسة الصالونات السياسية أو السجالات التقليدية بل وجدت في خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لإعادة الإنتاج والتضخيم. تحول هذا “الدرع الرمزي” إلى استثمار مربح في ما يسمى “اقتصاد الانتباه”.
حيث يدرك الفرد الهش معرفيا أن المزايدة الوطنية والهروب إلى الاستقطاب الثنائي هما أقصر الطرق لجلب “الإعجابات” وإعادة التغريد ونيل الحظوة الرقمية التي تمنحه دفقات فورية من الدوبامين لتعزيز ثقته المهزوزة. ولأن هذا الرصيد الرمزي يحتاج إلى وقود دائم ليستمر، يضطر هذا النمط من الشخصيات إلى صناعة “عدو متخيل” دائم (مؤامرة، طابور خامس، خائن مفترض) إذ إن اختفاء “العدو” يعني تلقائيا انتهاء الصلاحية الوظيفية للدرع الذي يختبئ خلفه.
خاتمة: نحو وطنية تعاقدية واثقة
لو وُضعت هذه الظاهرة على “مشرحة” علم النفس الاجتماعي والسياسي، لخلصنا إلى أننا أمام أشخاص يجدون في الوطنية المعلنة أو الدفاع المفرط والمستمر عن الحاكم مصدرا للتعويض النفسي، والوجاهة الاجتماعية، والحماية الرمزية. فكلما ضعفت الثقة بالذات وعجزت عن إثبات جدارتها بشكل مستقل، ازدادت حاجتها إلى الاحتماء بقوة خارجية واستعارة هيبتها.
في المقابل، فإن الشخصية الواثقة من نفسها—والتي تمثل “الوطنية التعاقدية أو المدنية” كما نظر لها الفيلسوف يورغن هابرماس—لا تحتاج إلى استعارة هيبة أحد، ولا تحتاج إلى تخوين الآخر لتثبت ولاءها. إنها شخصية ترى الوطن مساحة حقوق وواجبات، وتدرك أن قوة الدولة تكمن في متانة مؤسساتها وحرية أفرادها، لذا تستطيع أن تكون وطنية صادقة وأن تنتقد في الوقت نفسه، وأن تحترم الدولة ومؤسساتها دون أن تجعل منها متراسا ضد كل نقاش أو جدارا يحجب العقل والتطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى