
بعد كل خسارة للمنتخب الوطني، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالتحليلات والانتقادات، وتتحول المقاهي والشوارع إلى فضاءات للنقاش الحاد، وكأن مصير الوطن قد تحدد بنتيجة مباراة، يتبادل الناس الاتهامات، ويعيش بعضهم حالة من الإحباط والغضب لأيام، بينما تستنزف طاقة جماعية هائلة في قضية لا تغير شيئًا من الواقع اليومي للمواطن.
الحقيقة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها هي أن كرة القدم أصبحت صناعة ضخمة قبل أن تكون مجرد لعبة، اللاعبون محترفون، والمدربون محترفون، والاتحادات الرياضية تشتغل بمنطق المصالح والعقود والأرباح، وعندما يحقق المنتخب نتائج إيجابية، تنهال المكافآت المالية على اللاعبين والأطقم التقنية، وعندما تنتهي المنافسة، يعود الجميع إلى حياتهم الطبيعية، محملين بالأموال والشهرة والتقدير.
أما المواطن البسيط، الذي قضى ساعات طويلة أمام الشاشة، وأرهق أعصابه في الدفاع عن هذا اللاعب أو ذاك، فلن يحصل في نهاية المطاف إلا على مزيد من التوتر والانفعال، سيعود إلى مشاكله اليومية، إلى غلاء المعيشة والبطالة وصعوبات الحياة، بينما يكون نجوم الكرة قد حجزوا تذاكر سفرهم إلى أفخم الوجهات السياحية لقضاء عطلتهم الصيفية.
ليس المقصود هنا التقليل من قيمة المنتخب الوطني أو من حق الجماهير في التشجيع، بل التنبيه إلى ظاهرة خطيرة اسمها “الوطنية الزائفة”، تلك الوطنية التي تجعل البعض يربط حب الوطن بنتيجة مباراة، ويقيس انتماءه بعدد الأهداف المسجلة أو الضائعة.
الوطنية الحقيقية لا تُختزل في رفع الأعلام بعد الفوز ولا في البكاء بعد الهزيمة، الوطنية هي أن تدافع عن المدرسة العمومية، وأن تطالب بالعدالة الاجتماعية، وأن تحترم القانون، وأن تؤدي واجبك بإخلاص تجاه مجتمعك ووطنك، الوطنية هي أن تنشغل بمستقبل أبنائك أكثر من انشغالك بتشكيلة المنتخب.
لقد نجحت كرة القدم في صناعة الفرجة، لكن بعض الجماهير حولتها إلى قضية حياة أو موت، وبينما يستفيد اللاعبون من عوائد الاحتراف ومكافآت الإنجاز، يواصل المواطن استنزاف وقته وأعصابه في معارك افتراضية لا تضيف شيئًا إلى حياته.
ربما حان الوقت لنعيد ترتيب الأولويات، وأن ندرك أن المنتخب الوطني يمثل الوطن، لكنه ليس الوطن كله، فالأوطان تُبنى بالعلم والعمل والإنتاج والعدالة، لا بالأهداف والانتصارات فقط، أما الوطنية التي تظهر مع صافرة البداية وتختفي مع صافرة النهاية، فليست سوى عاطفة عابرة ترتدي قناع الانتماء.






كلام في الصميم عزيزتي بارك الله فيك و في كل ما تقدميه للبلد الغالي العزيز