الواجهةمجرد رأي

اليهودية في خدمة الصهيونية

مسرور المراكشي :

_ الكتاب المقدس “التوراة” هو المرجعية الدينية للصهيونية :

عندما يحدث خلاف بين قادة الصهيونية حول بعض القضايا السياسية أو الدينية، يتم الاحتكام فورا إلى الكتاب المقدس “التوراة”، طبعا مع ما تم تدوينه من شروحات حاخامية في كتاب (التلمود)، إذن هنا الدستور هو كتاب (التوراة) وما جاء من شرح لها في ( التلمود)، وبذلك يشكلان المرجعية الأسمى في التشريع عند الصهاينة، وهذا بالضبط يشبه ماعند المسلمين أي الاحتكام إلى القرآن والسنة عند حدوث نزاع، و ذلك مصدقا لقوله تعالى : (… فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا..)، الكلام هنا موجه للمسلمين وهكذا تلاحظون أن كلا الطرفين لهم نفس التصرف تقريبا، و ذلك عند نشوب النزاع فهم يرجعون إلى كتبهم الدينية و تفاسيرها لحل الإشكال، إن الصهيونية هي تسييس الشريعة اليهودية و تنزيلها على أرض الواقع، لهذا أعتبر أن اليهودية و الصهيونية وجهان لعملة واحدة، يكفي فقط أن تعودوا لما يقوله رجال الدين، و أخص بالذكر هنا حاخامات طائفة ( الحريديم)، وما يصدرونه من فتاوي وتعليمات للجيش و للدولة كذلك، لتعلموا مدى الترابط المتين بين اليهودية و الصهيونية، و أعتبر أن طائفة (الحريديم) هم السلف غير الصالح عند اليهود في فلسطين المحتلة، وهم يشبهون إلى حد ما جماعة السلفيين عند أهل السنة والجماعة، من حيث الحرص على تطبيق نصوص”التوراة” و تنزيلها حرفيا، لهذا كل ما يقوم به جيش الاحتلال من جرائم حرب، تجدون له تبريرا و مشروعية انطلاقا من النصوص التوراتية، طبعا حسب تفسير طائفة “الحريديم” المتطرفة، بل الاحتلال كله مبني على نص واحد من ( التوراة) المحرفة، مفاده أن أرض فلسطين هي وقف لليهود وحدهم ( الأرض الموعودة )، هنا يتحول كتاب (التوراة) من العبادة و وضع الشرائع، حيث يبين الحلال والحرام لليهود، إلى كتاب”تيتر” (Titre Foncier) أي إلى رسم عقاري أو ملكية محفظة، يحدد حدود دولة ما يسمى “إسرائيل” الكبرى، وهذا شيء رسمي كما جاء في “التوراة” غير قابل للنقاش، حدود أرض “إسرائيل” بين النيل و الفرات نقطة إلى السطر، ومن يعتقد بحل الدولتين فهو كذلك أحمق رسميا و أظن أن حالته جد متقدمة….

_ معاملة رجال الدين عند بني قريظة، والعلماء عند دول عربستان :

لا شك أن الفرق كبير في معاملة الحركات الدينية، بين حكام العرب و دولة الاحتلال الصهيوني، فهذه الأخيرة تأخذ بنصيحة علماء الشريعة اليهودية، بل تكون لهم الكلمة الفصل في سياسة الدولة الخارجية والداخلية، وقد شكلوا فرق ضغط في”الكنيست” برلمان الاحتلال، و أصبح العديد منهم وزراء بل حتى رؤساء حكومات، و لهم تأثير واضح على قرارات الدولة العبرية منذ نشأتها، باختصار فهم معززون مكرمون و أغلب الحكومات تعطيهم امتيازات خوفا و طمعا، كما أن أغلب الحكومات كذلك تتجنب إغضاب هذه الطوائف، لكم بعض الأحزاب الدينية في “الكنيست” : “عوتسماه يهوديت” (قوة يهوديت) : حزب يميني متطرف بقيادة إيتمار بن غفير، وحزب”شاس” : يمثل اليهود الشرقيين (السفارديم)، تحالف “يهدوت هتوراة” (United Torah Judaism – UTJ): يمثل اليهود الحريديم الغربيين (الأشكيناز)….
لكن المصيبة هي في تعامل حكام العرب مع العلماء و مناضلي الحركات الإسلامية، الحديث هنا عن العلماء المستقلين حصريآ وعن المناضلين الشرفاء، أما العلماء الرسميون ( الموظفون) و المريدون في الحركات الصوفية، أعتبرهم خارج التغطية يصح في حقهم هذا البيت الشعري : ( دع المكارم لا ترحل لبغيتها … و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي )، على العموم تعامل الحكام العرب مع العلماء و الناشطين الإسلاميين، ينقسم إلى قسمين : الأول _ هم الاستئصاليون المتطرفون…
والثاني : _ هم الاستئصاليون المعتدلون…
بعض حكام العرب من الدرجة الأولى : سيسي مصر قتل أول رئيس مدني منتخب، الدكتور محمد مرسي من الإخوان المسلمين، ناهيك عن ما فعله جمال عبد الناصر و السادات و مبارك، والنظام السوري حافظ وابنه بشار، ثم العجوز قيس تونس الذي حكم مؤخراً على راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة بالمؤبد… باختصار شديد يمكن تشبيه بعض الحكام العرب، في تعاملهم مع مناضلي الحركات الإسلامية، والعلماء المجاهدين المستقلين، بعمداء شرطة ممتازين تابعين للدوائر الأمنية الصهيونية….هل بالله عليكم شاهدتم أو سمعتم في دولة الاحتلال عن إعدام رجال الدين اليهود، أو حتى الحكم عليهم بالمؤبدات…؟ ناهيك عن ارتكاب المجازر في حقهم كما فعل النظام المصري في “رابعة”، فمنذ قيام دولة الإحتلال إلى يومنا هذا لم نر قتل رجال الدين اليهود، فقط يحدث هذا في عالمنا العربي و الإسلامي، في رأيي أن بقاء العلماء في هذه البلدان، مرهون بسببين لا ثالث لهما : _ الأول هو كونهم المصدر الرئيس للفتاوي التي تبيح استعباد العباد..!! المداخلة و عقيدة “طاعة أولي الأمر” نموذجا..
_ الثاني : _ بقاء علم الجنائز أي طرق تغسيل الميت و تكفينه و تحنيطه و دفنه والصلاة عليه، حتى يجد الحاكم على الأقل عند وفاته من يرسله إلى الرفيق الأعلى، بطريقة قانونية تحترم كل شكليات التلفيف ليصل إلى مثواه الأخير…
فلولا هذه الأمور لكان العلماء في خبر كان سواء الرسميون منهم أو المستقلون…

_ خلاصة :

يمكن اعتبار الصهيونية هي علبة التلفيف و بداخلها اليهودية، ويمكن اعتبارها كذلك ظل اليهودية في الأرض، هناك معادلة تقول : ( كل يهودي صهيوني، وليس كل صهيوني يهودي)، وهذا صحيح إلى حد ما فقد تجد صهيونيا مسيحيا، وقد تجد صهيونيا عربيا مسلما أو حتى ملحدا أو متأمزغا…، باختصار اليهود هم الخلايا النائمة للصهيونية قد يتحركون في الوقت المناسب، طبعا دون تعميم فهناك بعض الاستثناءات النادرة جدا، فقد تجد بعض اليهود من السياسيين أو المفكرين، وطنيين بمعنى الكلمة يناضلون ضد الصهاينة، لكن مع الأسف الشديد عددهم قليل بحيث يمكن عدهم على أصابع اليد الواحدة، لقد خضت نقاشات حادة مع طلبة اليسار في الجامعات، منذ بدايات تسعينات القرن الماضي، وخاصة الرفاق أصحاب التوجه الراديكالي داخل الجامعات، لقد وجدت هذا الفصيل ( الطوبيسي )الأكثر تشددا و استماتة، في الدفاع عن مسألة فصل اليهودية عن الصهيونية، وكان شعار : ( خيبر خيبر يا يهود…) يستفزهم بشكل كبير، حيث تجد الرفاق يركضون في كل اتجاه بشكل هستيري، مطالبين من المتظاهرين الكف عن رفع هذا الشعار “الديني”، طبعا حسب عقيدتهم اليسارية الصراع ذو طبيعة علمانية فقط، لكن اليوم دولة الاحتلال تعتبر نفسها دولة يهودية نقية العرق، وهذا ساهم في حل هذا الإشكال من الأساس، كما أعطى الصراع بعده الحقيقي بشكل واضح، إذن لا يمكن أن نكون ملكين أكثر من الملك، وكل يساري اليوم لازال متمسكا بالطبعة القديمة عن طبيعة الصراع، فهو بين أمرين : _ إما أنه أحمق مغفل خارج التغطية لا يرجى برؤه، أو أنه أكثر من”الشقوفا” لمدرحين من مخدر الكيف وخاصة بعد تقنين القنب الهندي….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى