24 ساعةأخبار وطنيةالواجهةصوت الجالية

اليوسفية: الجالية المغربية بإقليم اليوسفية وحصيلة لقاءات 10 غشت.. عجعجة بلا طحين أم محطة حقيقية للإنصاف ؟

​يُشكل العاشر من غشت من كل سنة محطة بارزة وطنية ومحلية لتخليد اليوم الوطني للمهاجر، وهو موعد يتجدد فيه اللقاء الرسمي بين السلطات الإقليمية وممثلي الإدارات العمومية من جهة، وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج من جهة أخرى. لقاءات ترفع شعارات براقة حول التواصل، تقريب الإدارة، وتحفيز الاستثمار.

غير أن واقع الحال بإقليم اليوسفية، ولا سيما في بعض الجماعات القروية كـ “الخوالقة”، يطرح أكثر من علامة استفهام حارقة، ويدفعنا لنجابه المسؤولين بأسئلة مشروعة ومباشرة: هل سيخرج هذا الاجتماع بتوصيات فعلية تحقق مطالب الجالية، أم أنه مجرد “جعجعة بلا طحين” ومحطة موسمية لاستهلاك الوقت والزمن السياسي لا غير؟!

و​تستهدف هذه الاجتماعات السنوية –سواء على مستوى العمالات أو الأقاليم– الاستماع إلى مشاكل مغاربة العالم، وتذليل العقبات الإدارية التي تواجه مشاريعهم، فضلاً عن إشراكهم الفعلي في الأوراش التنموية الكبرى التي تشهدها البلاد.

​لكن المتتبع للشأن المحلي بإقليم اليوسفية يلاحظ هوة عميقة ومرعبة بين ما يُناقش خلف قاعات الاجتماعات المكيفة وبين الواقع المعيشي القاسي. وهنا يبرز السؤال الملحّ: هل ستكون هناك فعلاً متابعة صارمة من الجهات المسؤولة لنتائج ومخرجات هذا الاجتماع، أم سيكون مصيره كسابقه من اللقاءات الفلكلورية التي تتبخر توصياتها بمجرد انتهاء أشغال اليوم الدراسي؟

لكن ​تتجلى المفارقة الأكبر والأكثر إيلاماً في جماعة “الخوالقة” التابعة لإقليم اليوسفية؛ حيث يُبدي أبناء الجالية استعداداً تاماً وكبيراً لضخ أموالهم وانخراطهم في مشاريع استثمارية واقتصادية داخل الإقليم، مساهمة منهم في تنمية مسقط رأسهم.

​ولكن، ألا يعيب هذا السخاء الوطني سؤال جوهري: كيف يُعقل أن يستعد المهاجر لضخ رؤوس أمواله، بينما تعاني عائلته وأقاربهم المباشرون من تهميش بنيوي خطير يغيّب أبسط مقومات العيش الكريم؟ فعائلاتهم تعيش في ظلام دامس جراء غياب الكهرباء، ومعزولة عن العالم الخارجي تماماً بسبب انعدام التغطية بشبكة الاتصالات والانترنت (الريزو)، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر خارج الزمن التنموي! فبأي منطق يُطلب من المستثمر أن يبني ويطور، في حين تترك عائلاته تكابد مرارة العزلة والبدائية؟

ويبقى ​الأكثر استفزازاً في معادلة التنمية بإقليم اليوسفية، هو أن أبناء الجالية لم يقتصر دورهم على جلب الاستثمار، بل وجدوا أنفسهم مضطرين للقيام بالأدوار الاجتماعية والخدماتية التي تفترض أصلاً أن تقوم بها سياسات الدولة ومجالسها المنتخبة:

​في المجال الصحي: بادر أبناء الخوالقة في المهجر إلى توفير سيارات إسعاف مجهزة لتقريب الخدمات الصحية من الساكنة وأهاليهم الذين يواجهون خصاصاً مهولاً في المستوصفات والمستشفيات المحلية.

​في الجانب الاجتماعي: يتكلف هؤلاء المهاجرون بدعم الأسر المعوزة، واقتناء الأدوية، وتغطية جزء من الحاجيات اليومية للعائلات الفقيرة، متكفلين بسد الفراغ الرهيب الذي تركه غياب الدعم الحكومي الفعلي وبرامج التنمية القروية الحقيقية.

​وهنا يحق لنا أن نتساءل بحرقة: أين تذهب ميزانيات المجالس المنتخبة والقطاعات الوصية، إذا كانت الجالية هي من تتكفل بالتطبيب والإسعاف وإطعام المحتاجين، بينما تكتفي الجهات الرسمية بالفرجة والتصفيق في لقاءات 10 غشت؟

لكن ​ماذا قدمت الحكومة والجهات الوصية ؟

​فعلى الورق، تتحدث التقارير الرسمية عن مجهودات مبذولة لدمج الجالية وتحسين خدمات القرب. أما في الواقع المعيشي لإقليم اليوسفية وجماعاته القروية كـ “الخوالقة”، فإن الخدمات العمومية تسير ببطء شديد وبكثير من التواطؤ مع التهميش.

​فالمواطن البسيط وعائلات المهاجرين يواجهون:

​تعثر إنجاز البنيات التحتية الأساسية: من مسالك طرقية معبدة، ربط بالكهرباء، وتقريب شبكات الاتصال.

​غياب العدالة المجالية: حيث تظل استجابة الإدارات الحكومية المركزية والمحلية للمطالب الملحة محكومة بالبيروقراطية والتعطيل الممنهج.

​الاعتماد على إحسان المهاجرين: بدل تكريس دولة الرعاية الاجتماعية التي تضمن الحق الدستوري في التطبيب والماء والكهرباء والاتصال لكل مواطن مغربي أينما كان.

​خلاصة القول وباب التساؤل المفتوح

​إن اجتماعات 10 غشت العادية لن تحقق أهدافها المنشودة ما لم تتخلى عن طابعها الفلكلوري الموسمي، وما لم تتحول إلى آليات حقيقية للتقييم، والمحاسبة، وإنجاز مشاريع ميدانية ملموسة بآجال واضحة.

​فجالية إقليم اليوسفية، وأبناء الخوالقة خصوصاً، أثبتوا وفاءهم المطلق لوطنهم وأهلهم عبر الاستثمار والتضامن الصحي والاجتماعي. والكرة الآن بوضوح في ملعب الحكومة والسلطات الإقليمية لرد الاعتبار لهذه العائلات المعزولة، وفك حصار التهميش عنها، قبل أن تقتنع الجالية بأن هذه اللقاءات ليست سوى “عجعجة بلا طحين” ومحطة أخرى تضاف إلى سجل الوعود التي لاتتحق على أرض الواقع!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى