اليوسفية : معاناة يومية بقسم الولادة بمستشفى لالة حسناء باليوسفية وصرخات تعمق الجراح
بقلم نور الدين الكيحل


بين حيطان مخصصة للرعاية والعلاج، يُفترض أن تكون ملاذاً للأمل ونجدة الأرواح، تتحول مصلحة الولادة بالمستشفى الإقليمي لالة حسناء باليوسفية في كثير من الأحيان إلى محطة لقهر المعاناة وتعميق الجراح. مشهد إنساني مؤلم يتكرر، وأسئلة حارقة تفرض نفسها بقوة دون مجيب: إلى متى ستبقى أرواح الأمهات والمواليد طعماً للإهمال وسوء التدبير؟
رحلة عذاب نحو المجهول.. إرسال بلا ضوابط ولا مرافق
إن المتتبع للوضع الصحي بإقليم اليوسفية يقف مذهولاً أمام سياسة “تصدير الأزمات” التي باتت تنهجها مصلحة الولادة بالمستشفى الإقليمي؛ حيث تُقابل جل الحالات الوافدة، مهما كانت حالتها الصحية أو استعجاليتها، بقرار جاهز وفوري: التحويل نحو مستشفيات مراكش.
وفي هذا السياق، شهدت مصلحة الولادة تصعيداً مقلقاً في وتيرة الإحالات القسرية، حيث تم إرسال 5 حالات ولادة في اليوم الأول، وارتفع العدد ليبلغ 7 حالات في اليوم الموالي وحدده في مسار نحو المجهول.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يؤرق كل ضمير حي:
ما هو الدور الفعلي لطبيبة الولادة المعينة بهذا المستشفى إن كانت جل الحالات تُرحل؟
وأي معنى لتقلد مهام العلاج والاستشفاء إذا كانت النتيجة الحتمية هي الرفض والتوجيه القسري نحو مدينة تبعد بعشرات الكيلومترات، في ظل غياب أبسط شروط التكفل الطبي؟
ولم تعد المعاناة تقتصر على قسوة التحويل فحسب، بل تتعداها إلى الاستهتار التام بالسلامة الجسدية للنساء المستضعفات؛ إذ تُرسل الحالات الاستعجالية غالباً دون قابلة مختصة ولا حتى طاقم مرافق يُسعف الحامل إن واجهتها طوارئ في الطريق.
معجزة النجاة على قارعة الطريق (النقطة 44)
خير دليل على هذا العبث الإداري والصحي ما حدث مؤخراً، عندما وُضعت سيدة حامل في طريقها المظلم نحو مراكش، لتلد مولودها على قارعة الطريق قرب النقطة 44، بلا رعاية طبية ولا تجهيزات استشفائية. ولم تستفق العائلة المرافقة إلا على وقع الصدمة، حيث اضطر أحد أفراد الأسرة لتوليدها يدوياً في ظروف كارثية ومخيفة، وذلك بعد تعرض سيارة الإسعاف لعطب ميكانيكي مفاجئ زاد من هول الموقف.
ولولا ألطاف الله عز وجل، والعناية الإلهية التي تدخلت في آخر لحظة، لكانت الحصيلة كارثة إنسانية لا يحمد عقباها، ولانضمت أم أخرى ومولود بريء إلى قائمة ضحايا الإهمال الطبي الممنهج.
”إن ترك الحوامل يواجهن مصيرهن المجهول في سيارات إسعاف متهالكة، بلا طبيب ولا مرافق، ليس مجرد خلل عابر، بل هو سقوط أخلاقي ومهني صارخ يستوجب المساءلة والمحاسبة.”
زيارات بروتوكولية ومسؤولون في غياب تام
تتوالى الوفود الرسمية وتتكرر الزيارات الميدانية للمسؤولين على اختلاف رتبهم للمستشفى الإقليمي لالة حسناء، وسط وعود متجددة وشعارات براقة بالإصلاح والتجويد. غير أن الواقع المرير يثبت العكس تماماً؛ فالأوضاع تسير من سيئ إلى أسوأ، وكأن تلك الزيارات مجرد طقوس بروتوكولية فارغة من أي محتوى عملي أو رقابي حقيقي.
وفي خضم هذه المعاناة اليومية والقرارات العشوائية التي تُرسل الأمهات والمواليد نحو المجهول، يطرح الشارع المحلي سؤالاً ملحاً ومشروعاً يتردد في كل مكان:
أين هو الدور الفعلي والمسؤولية المباشرة لمديرة المستشفى الإقليمي لالة حسناء؟
فبصفتهما المسؤول الأول عن هذا المرفق الصحي، هل يمكن القبول بـ “سياسة النعامة” التي تنهجها أمام ما يحدث داخل أسوار مؤسستها؟ هل هي غائبة عما يجري، أم أنها تختار الصمت المطبق أمام هذا التسيب، مما يجعلها شريكة في هذا الإهمال الممنهج؟ إن السكوت على هذه الأوضاع الكارثية، في ظل التصاعد المقلق لأعداد الحالات المُرحلة، يحولها من مديرة مُفترضة إلى عنصر أساسي في استمرار مسلسل المعاناة.
وفي هذا السياق، يتوجه الشارع المحلي بنداء استغاثة مباشر إلى المدير الجهوي للصحة والحماية الاجتماعية وإلى عامل الإقليم :
- أين هي لجان التفتيش والتقييم الجادة؟
- هل ستظل معاناة الوافدين والوافدات على هذا المرفق الصحي أبدية لا تنتهي؟
- متى تتحول تلك الزيارات المتكررة إلى قرارات صارمة تنهي مسلسل التسيب والاستهتار بصحة المواطنين؟
- جمعية أصدقاء المستشفى: أي دور وأي إضافة؟
على خطى التساؤلات المشروعة للمواطنين، يبرز التساؤل حول دور جمعية أصدقاء المستشفى والفعاليات المدنية المرتبطة به. فمنذ تأسيسها، يعتري الشارع المحلي الغموض تجاه حجم إسهاماتها الحقيقية:
هل لعبت دوراً رقابياً واقتراحياً للدفاع عن حقوق المرضى والمواطنين المحرومين من أبسط حقوق العلاج؟
أم تحولت إلى مجرد إطار ديكوري عاجز عن تقديم أي إضافة نوعية تنتشل المستشفى من وحل التردي والخصاص الحاد في الخدمات؟
نداء عاجل
إن ساكنة إقليم اليوسفية ومعها الفعاليات الحية لا تطلب المستحيل، بل تطالب بالحد الأدنى من الحقوق الدستورية والإنسانية: حق العلاج، حق الولادة بكرامة داخل مؤسسة طبية مُجهزة بما يحفظ الكرامة الإنسانية، ووضع حد لمهزلة التحويلات العشوائية والتسيب الذي بات يطبع مصلحة الولادة بمستشفى لالة حسناء.
فهل من مُغيث يسمع نداءات الاستغاثة، أم أن آلام المرضى ستظل تائهة في دهاليز الإهمال واللامبالاة





