الواجهة

اليوم 84 للحرب، معركة العصف المأكول

بقلم: د. وسيم جابر 

 اليوم 84 للحرب، معركة العصف المأكول
هرمز: حيثُ تموت الإمبراطوريات واقفةً.

مقدّمة: حين يُدرك الجنرال أنه يخسر الزمن:
لا تُقرأ الحروب الكبرى في بيانات الأركان، ولا في تصريحات وزراء الخارجية. تُقرأ في تلك اللحظة الصامتة الثقيلة، حين يُدرك الجنرال أن خصمه لم ينكسر بعد، وأن الزمن انقلب عليه فبات يعمل ضده لا معه. ونحن اليوم في قلب تلك اللحظة الفارقة، لمن يملك عيناً استراتيجية مدرّبة ترى ما وراء الدخان.
ثلاثة مشاهد تصنع حقيقة واحدة:
أوّلاً: إسرائيل واحتضار المنتصر الزائف:
لنبدأ بإسرائيل. لأن ما يجري هناك ليس حرباً بمعناها الكلاسيكي، بل هو “احتضار استراتيجي” يُحاول جاهداً أن يُشبه الانتصار. فالجيش الذي كان يدّعي أنه يُعيد رسم خارطة الشرق الأوسط، بات اليوم يُصوِّب صواريخه نحو قوافل الإسعاف ويستهدف الطواقم الطبية. وهذا ليس فنّ الحرب، بل هو اعتراف صارخ بإفلاس الفنّ. فحين يعجز الجندي عن كسر الإرادة القتالية، يلجأ إلى كسر الإنسانية. وهو بهذا لا يكسب ميداناً، بل يخسر عالَماً بأسره.
ثانياً: الشمال ومعادلة السماء المفتوحة:
في الشمال، المشهد أشدّ دلالةً وأبعد أثراً. المسيّرات الانقضاضية لحزب الله باتت تجول سماء الجليل بلا رادع حقيقي، لا لأن العدو عاجز تقنياً فحسب، بل لأنه بلغ حدود الاستنزاف البشري والعتادي الفعلي. وهذه المسيّرات لا تحمل شحنات المتفجّرات فحسب، بل تحمل رسالةً سياسية مُدوِّية: معادلة المدني بالمدني والمنزل بالمنزل، لم تعد خياراً يُلوِّح به المقاوم في لحظة غضب، بل باتت واقعاً يفرضه الميدان بالدليل والدم. وفي واشنطن، قبل تلّ أبيب، يعرف صانع القرار معنى هذه المعادلة تماماً.
ثالثاً: المفاوضات ولعبة هرمز الكبرى:
أمّا جوهر الجوهر، فهو المفاوضات الإيرانية-الأمريكية. من يُسمِّيها “ملفّاً نووياً” يرى القشرة ويجهل اللُّبّ. لأن الملف الحقيقي لا يحمل اسم اليورانيوم، بل يحمل اسم “هُرمُز”؛ ذلك المضيق الضيّق جغرافياً، الواسع استراتيجياً، الذي تعبر عبره أربعة وعشرون بالمئة من نفط العالم كل يوم. إغلاقه ليس ضربةً موجَّهة لأمريكا وحدها، بل صاعقة تُضرب في آنٍ واحد طوكيو ولندن وبرلين ودلهي وبكين. وهذا بالضبط ما يجعل طهران اليوم شيئاً لم تكن عليه منذ عقود: “ورقة ضغط كونية” لا يمكن تجاهلها ولا ابتلاعها.
أمّا ترامب، فمن يظنّه مُفاوِضاً تقليدياً يُخطئ قراءة الرجل من الجذور. ترامب هو المُزايِد في المزاد الكبير، وهذا ليس حُكماً، بل تاريخ موثَّق: يقبل تنازلك اليوم، ثم يطلب ما وراءه غداً، ويبتكر حجةً جديدة للانقضاض في كل منعطف. سيرته مكتوبة من كوريا الشمالية إلى صفقات التجارة الكبرى. فإن قبلت طهران بتخصيب محدود، طالبها بالصفر. وإن قبلت بالصفر، طالبها بتفكيك المنظومة برمّتها. لأن غايته الحقيقية ليست الاتفاق، بل “الاستسلام الكامل والمُجرَّد”.
#الخاتمة والخلاصة: الفوضى المُدارة سيّدة المشهد
إيران اليوم تعرف ما غاب عنها عام 2015: أن مفتاحها الحقيقي ليس في أجهزة الطرد المركزي، بل في “الجغرافيا الخانقة” التي تمتلكها وحدها. لذا، فالسيناريو الأرجح استراتيجياً ليس الحرب الشاملة، ولا السلام النظيف، بل ما يمكن وصفه بدقّة عسكرية: “الفوضى المُدارة”. تبقى إيران على عتبة القنبلة دون أن تعبرها، ويبقى هرمز مفتوحاً بثمنٍ سياسي تدفعه واشنطن في الغرف المُعتِمة، وتبقى إسرائيل تتخبّط في أوحال لبنان باحثةً عن مخرج يشبه الكرامة. أمّا الاتفاق النووي، إن وُلِد يوماً، فليعلم الجميع أنه في جوهره “صفقة هُرمُز” لا غير، يُلبَس فيها العقل قبّعة اليورانيوم، ليُمرَّر في طيّاتها النفط والغاز وضمانات الملاحة الحرّة.
وخلاصة القول، بمنطق التاريخ والجغرافيا والميدان معاً: هذا الشرق الأوسط لا يُهزَم بالصواريخ وحدها، بل يُهزَم فقط بالصبر. والصبر، يا سادة، لم يكن يوماً فضيلة الغرب حين يطأ أرضنا.

والمضيق ما زال يتنفَّس. وهو وحده يعرف متى يكفّ عن ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى