انا الاحتفالي ماذا تعني؟

عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
يقول الاحتفالي إنني أنا الاحتفالي أعيش الحاضر، وأفكر في المستقبل ولا يمكن أن أنسى الماضي، وإن نسيته أنا، فهل من الممكن أن ينساني هو؟
في زماني تحضر كل الأزمان، وفي ذاتي تحضر كل الذوات، وفي عالمي تحضر كل العوالم، وفي مسرحي تحضر كل المسارح، الكائنة والممكنة، ومن الصعب جدا أن أميز في مساري الوجودي بين ذلك الطفل الذي كان، وبين هذا الشيخ الكائن، ولا بين ذلك الغريب الذي سوف يكون في مستقبل الأيام والأعوام
وانا الاحتفالي العاشق للمعرفة، وأعرف بأن لدي بداخلي عقل يفكر، وأعرف أيضا بأنه ليس كل عقل يفكر، وأسأل ألبرت انشتاين كيف يمكنني أن أفكر تفكيرا حقيقيا وسليما، ويقول لي (العقل لا يعمل إلا إذا كان منفتحا، والعقل الفرقة لا يمكن أن تفيدك بشي)
ولهذا فقد فتحنا كل أبواب الاحتفالية، وهي كثيرة جدا، وفتحنا كل نوافذها على كل الجهات، وأقمنا فيها كثيرا من الشرفات التي تطل على العالم وعلى العالمين.
هذا الاحتفالي، صاحب البيت الاحتفالي، لا يحيا في بيته من أجل أن يموت في بيته، وهو يعرف أن نصف الحياة موجود خارج هذا البيت، ولهذا فقد امتهن أخطر مهنة وأصدق مهنة وأشرف مهنة، والتي هي مهنة السفر، وفي هذا المعنى قال وكتب الكاتب الاحتفالي وقال، إنني أسافر إلى مدن كل العالم، ثم أعود إلى بيتي، وأعود إلى نفسي، لأن نفسي هي مركز العالم، ومن حق أي واحد أن يعتبر بيته مركز العالم، وأن يعتبر نفسه مركز العالم، وأنا في هذا السفر لا أغيب إلا لأحضر بشكل أحسن، ولا أبتعد إلا لأقترب مني ومن عالمي أكثر وأكثر، ولا أموت اليوم إلا لأحيى غدا، وكل ذهاب بلا عودة لا معنى له، وكل بطاقة سفر لا تتضمن الذهاب والأياب فهي بطاقةباطلة، هكذا اقول لنفسي، او هكذا تقول لي نفسي، واجد معلمتي الحياة تقول لي (حلل وناقش)
وكل حياتي وانا احلل، وانا أفسر، وانا أفكك، وانا انتج الأفكار، وانا اقرا الأفكار، وانا اترجم الأفكار من لغتها الى لغتي الاحتفالية والعيدية
وعبد السميع، في احتفالية:( اسمع يا عبد السميع )انتم تعرفونه بلا شك؟ ذلك الطفل الذي اصر:على ان يظل طفلا، وعلى ان يسافر وان يرحل؛ حاملا معه طفولته إلى العوالم البعيدة والغريبة، والذي قاده السفر ألى وادي عبقر، حيث التقى بالجن وبشياطين الشعراء، هذا العبد السميع خرج من بيته يوما ولم يعد إليه، ولكنه في المسرحية الثالثة من الثلاثيةزطالمسرحية يعود، ويكون ذلك في مسرحية اعطاها كاتبها الاحتفالي اسم: ( عبد السميع يعود غدا) والتي صدرت من مدينة ابركان سنة 1999 عن مطبعة تريفة
ونعرف أن كل ذهاب، يكون هذا اليوم، فإنه لا بد ان تعقبه عودة تكون غدا، وفي تقديمه للمسرحية يقول الكاتب الاحتفالي ما يلي :
( قد يسالني سائل من الناس ويقول:
ــ لماذا تعود لعبد السميع؟
واقول له:
ــ لا تسالني انا وأسأل صاحبي عبد السميع، لماذا يعود إلي.. ولماذا يعود الينا كلنا،. وما الذي اعاده اليوم؟
ولماذا تكون عودته في هذا الزمن المعولم بالذات؟
هل هو هذا الواقع الجديد الذي لا جديد فيه؟
ام هو أشياء أخرى، قد تخفى على العين الحسية، ولكنها لا يمكن ان تخفى على عين الحدس وعن عين العقل وعن عين الوجدان وعن عقل الروح)
وعندما تكتمل الدائرة، نعود بالتاكيد الى نقطة البدء، وهل هذا الوجود إلا بدء يتجدد؟ وتتعدد الأيام والليالي في الوجود، ولكن الشمس التي تصنع الأيام والأعوام هي شمس واحدة
وتأتي لحظة الفراق، وتحل لحظة الانفصال، والتي قد تكون لحظة الاتصال الحقيقية، وذلك في الحياة الحقيقية ونحن لا ندري، ونجد المسافر عبد السميع وهو يستعد من اجل أن يعود من حيث أتى، ويدور الحوار التالي بين عبد السميع والحكواتي:
( ــ سلم لي على الأهل والأصدقاء، وعلى كل الناس الطيبين.. قل لكل من يسالك، عبد السميع عاد من حيث أتى، وانه قد مل الغربة و المنفى، وانه اخيرا عرف طريقه..
ــ ولكن.. هذه الطريق هي طريق الموت يا عبد السميع ..
ــ لا .. بل هي طريق الخلاص يا صاحبي ..
ــ والله لست ادري ماذا سوف اقول للناس عنك غدا
ــ قل لهم بان عبد السميع قد شفي من جنونه..
ــ لا اظن.. نعم لا أظن، أن من يمشي في هذه الطريق لا يمكن أن يكون قد شفي من جنونه ..
ــ قل لهم أيضا.. بأنه أخيرا أدركته رحمة الله، وأنه قد عاد إلى وطنه، وإلى بيته، وإلى ذاته، وإلى نفسه، وإلى روحه، وإلى روح روحه)
مجد الحياة والأحياء قبل كل شيء؛
ويقول الاحتفالي، والذي عاش حياته وهو يفكر ويقرأ، وهو يقرا ويكتب، انا ما تركت موضوعا، من مواضيع الحياة، الا ووضعته، ولا تركت سؤالا من اسئلة الوجود إلا واجبت عنه، او حاولت الإجابة عنه، ولا تركت فكرة من الأفكار، العاقلة أو المجنونة، إلا وفكرت فيها، سواء اكانت تلك الفكرة صغيرة أو كانت كبيرة، لا يهم، وكل الأفكار عندي محترمة، ومع ذلك، فمازالت هناك، في مساري الوجودي، أفكار كثيرة لم أستطع الوصول إليها، وهي أفكار أكبر من الكبيرة وأصغر من الصغيرة وأغرب من الغريبة وأقرب من القريبة، ومع ذلك فلم أستطع أن أراها، ولا أنا استطعت أن أفكر فيها، وإنني أتوق إلى اليوم السعيد الذي يمكن اصل إليها، وأن أعرفها، وأن تعرفني، وأن ألبسها تحت لباسي، حتى تصبح جلدي، أو تكون ما تحت جلدي
بهذا الكلام پخاطبي مضاعفي الذي يسكنتي. ويقول لي (حلل وناقش..)
وفي خطابه بمناسبة عيد العرش يقول جلالة الملك محمد السادس
(لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي، بل كان كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك)
وعندما يتحول خطاب رسمي إلى بوح صادق، وعندما يتحول الشعب الى صديق وإلى رفيق في الطريق، وأن نبوح له بما نحس، وعندما نعتبر أن خدمة الشعب أمانة، ففي ذلك الوقت يمكن ان تتوقع بان التاريخ سوف يتغير.. إلى الأحسن بكل تاكيد
ويقول الاحتفالي .إنني أفعل، وأرى ما أفعل، و أتأمل في ذاتي كل ما فعلت ذاتي، وأتأمل ذاتي بعين النقد الذاتي، وأقسو على ذاتي قبل أن يقسو عليها الواقع، ومن الممكن ان اخاصم ذاتي، او أن تخاصمني ذاتي، وأن نرجع معا إلى نقطة الصفر أو الى ما قبل نقطة الصفر .. وهذا هو قانون الدائرة التي تدور
وفي ندوة فكرية بمدينة مكناس, وكانت بعنوان “نقد التجربة – همزة وصل” سنة 2015 قدم د مصطفى رمضاني مداخلة علمية نشرت بعد ذلك في كثير من المنابر الإعلامية المغربية والعربية وكانت بعنوان (عبد الكريم برشيد.. زمن الكتابة عنده أكبر من زمن عمره) وهو يركز في هذه المداخلة على غزارة التأليف وتوزع العطاء٬ في المتن المسرحي الاحتفالي، وعلى هامشه٬ ويعتبرها (حالة إبداعية تستوقف المتأمل في تجربة الكاتب عبد الكريم برشيد٬ رائد الاحتفالية٬ الذي لا ينضب معين إسهاماته٬ في المسرح المغربي والعربي٬ تأليفا ونقدا و؛تنظيرا)
وفي نفس مداخلته يقول د، مصطفى رمضاني (“ثم جاء برشيد فملأ الدنيا وشغل الناس” شغل الناس بنصوصه المسرحية وبنقده وبتنظيراته٬ قبل أن يشغلهم بمواقفه الصدامية التي لا تهادن فيما يؤمن به ويدافع عنه٬ هو نموذج للكاتب الذي نذر حياته للكتابة٬ فصار زمن الكتابة عنده أكبر من زمن حياته العمرية)
الاحتفالية بين الفن والفكر :
وهذه الاحتفالية بدأت من المسرح، وكان الاحتفالي فيها مسرحيا، وكان مسرحه مجرد لعب عاقل.. وكان لعبا صادقا في عالم، أصدق ما فيه، وأشرف ما فيه، هو اللعب، وتحديدا هو ذلك اللعب الطفولي البرئ و الشفاف، والذي له علاقة بطولة الإنسان، وله علاقة باسئلة الناس اليومية، وله علاقة بطفولة التاريخ، وله علاقة بطفولة العالم، وله علاقة بطفولة الأشياء، ولقد تمت تلك البداية الجديدة، في ذلك التاريخ المسرحي الجديد، وذلك مع بداية السبعينات من القرن الماضي، وكانت تلك الاحتفالية حلما فقط، حلم جماعة كانت تسعى من اجل ان تصبح في يوم من الايام، او في عام من الأعوام، هي كل المجتمع الإنساني والكوني الكبير، ولقد تجسدت تلك الاحتفالية في زي مسرح واحد من مسارح العالم، وكان قدرها ان تخرج من رحم العالم الهامشي والمنسي والمنفي، والذي تمت تسميته بالعالم الثالث، والذي تمت سرقة كل خيراته المادية من طرف العالم الأول ومن طرف العالم الثالث، ولكن التعييد الاحتفالي، لدى كل الشعوب المستضعفة، هل من الممكن سرقته او ترحيله اوتفويته اوتهريبه؟ والحلم الاحتفالي أيضا، في وجدان الانسان الاحتفالي، وفي واقعه وتاريخه، هل يمكن مصادرته وقمعه؟
بالتأكيد لا يمكن، ولقد أكد الاحتفالي على أن أكبر و أغلى وأجمل ما لديه، ليس هو ما في يده، ولا ما في رصيده البنكي، ولكن هو ما في قلبه، وهو ما في وجدانه، وهو ما في خياله، وهو ما في روحه، وهو ما في حلمه، وهو كل ذلك الخفي الذي لا يمكن بن يكشف عنه الإنسان الا في الساعات العيدية والاحتفالية الجميلة والصادقة، وبهذا الرصيد الرمزي الشعبي، يمكن ان يكون مسرحنا الاحتفالي غنيا في الاخضر وفي المستقبل معا
ولقد تقنعنت هذه الاحتفالية بأقنعة هذا المسرح، مع انها لا تؤمن بالأقنعة الكرنفالية، ولا بالأزياء المسرحية ولا بالكواليس المسرحية، ولا بالستارات المسرحية، ولا بكل التقنيات وبكل الآليات المسرحية، والتي قد تمثل قيمة مضافة إلى الفعل المسرحي، ولكنها بالتاكيد ليست هي روح الفعل المسرحي، ولا هي جوهر الفعل المسرحي . ومع توالي الأيام والأعوام، وبعد عقود طويلة من البحث ومن التجىيب، استطاعت هذه الاحتفالية ان تتجاوز المسرح المسرحي، وان تصبح في درجة المسرح الوجودي، وبدل ان تكون مجرد بنيات و؛تقتيات وآليات و منهجيات مسرحية، فقد اصبحت فلسفة وجود متكاملة.. فلسفة عنوانها الكبير ( فلسفة التعييد الاحتفالي في اليومي وفي ما وراء اليومي)
وبهذا تكون هذه الاحتفالية قد بدأت فعلا من المسرح، ولكنها، ومن داخل هذا المسرح، قد كانت عينا، وكانت رؤية،وكان عقلا وعقلانية، وكانت وجدانا، وكانت مهمتها هو هي ان تقرا كتاب الوجود، وان نقرا اسفار التاريخ، وان تتأمل مظهر وظواهر و خفايا هذا العالم،
ولقد تامل الإنسان شرطه الإنساني، وطرح اسئلة الإنسان وقضايا الإنسان، وفي تعريف هذا المسرح الذي أسسته هذه الاحتفالية، أو أعادت تأسيسه، يقول د. يونس لوليدي ( المسرح الاحتفالي مجموعة من التجارب والتنظيرات العربية حاولت التركيز على ضرورة البحث عن هوية عربية للمسرح العربي نابعة من تراث هذه الأمة ومن احتفالاتها العفوية ومن تاريخها ومن ضرورة المزج بين عمليتي الإبداع الفني والتلقي بحيث يصبح الجمهور طرفا فاعلا في الفرقة المسرحية)
وإذا كان هناك من اعتبر الاحتفالية اتجاها أو مدرسة أو حركة، أو مجرد تجربة إبداعية، أو مجرد محاولة لتأسيس نظرية، فإن د .رشيد بناني قد كان من بين من اعتبروها تيارا مسرحيا حقيقيا، ولقد قرأها في ضوء إبداعها وفكرها في نفس الوقت، فهي عنده (تيار من أهم التيارات التي أخذت تتوضح وتغتني، وأصبحت مميزة للمسرح المغربي، بل ربما أصبحت مميزة لثقافتنا المغربية المعاصرة بصفة عامة)
آخر الكلام
وعن نفس هذا المسرح الذي اسس فلسفته، أو الذي أسسته فلسفته، تقول الدكتورة هند لبدك، في كتابها (استيطيقا المسرح تجديف في عوالم التخييل والإيحاء) إصدارات أمنــــــــية، السلسلة المسرحية وذلك بمدينة الدار البيضاء، لقد قالت ما يلي:
(إن المسرح الاحتفالي يتسم بالشمول، ومن الجدير بالذكر أنه ينبغي إيلاء البحث في فن المسرح الاهتمام كل الاهتمام، وذلك من خلال مراجعة البيانات المسرحية، ودعنا نرتقي بسلوكاتنا كجمهور أو باحثين أو مسرحيين من أجل إعطاء المسرح قيمة مؤكدة ومن اجل ممارسة مسرحية هادفة و راقية كي تكون قريبة من نبض المجتمع)
( أنا الاحتفالي ماذا تعني؟) هو عنوان هذه المقالة، وقبل هذا
كان تساؤل في كتاب ( الرؤية الاحتفالية بين العيدية والماتمية) والذي لم يدخل بعد مجال النشر، ولقد قال الاحتفالي في هذا الكتاب نفس ما قاله ونفس ما كتبه في كل كتبه وفي كل بياناته المتعددة، لقد قال ( أنا احتفالي) وكان في هذا التأكيد نفي خفي ومضمر، ويمكن أن نترجم ذلك النفي على الشكل التالي:
إن جملة ( أنا احتفالي) التأكيدية تحمل في أحشائها جملة أخرى تقول ( أنا لست مأتميا، ولست فوضويا، ولست عبثيا، ولست ظلاميا، ولست طقوسيا، ولست إيديولوجيا، ولست مقامرا بحياتي، ولست انتحاريا، ولست بهلوانيا، ولست كرنفاليا، ولست شعوبيا..
هذه هي المعاني الحقيقية المضمرة في جملة ( أنا احتفالي) أما عندما أقول ( أنا في احتفاليتي إنساني النزعة) فإن ذلك لا يمكن أن تكون له إلا المعاني التالية، وهي أنني غير حيواني السلوك، وغير وحشي التوجه الفكري، و أنني إذا كنت أحمل بداخلي نوازع حيوانية قديمة، فإنني سأعمل على التحرر منها ومن ترسباتها، وبأنني أيضا، لا يمكن أن أكون وحشا في غابة، وبأن الأساس لدي هو أن أكون مواطنا مدنيا قبل كل شيء.
وعندما أؤكد على النحن ـ الآن ـ هنا، فما ذلك إلا لأقول بأنني لست الآخر، و بأنني لا أعيش في الماضي ولا في المستقبل، وبأني لا أوجد هناك، في الممالك الأخرى، وفي البلدان الأخرى، وفي الأمكنة الأخرى).




