انتخابات على حافة فقدان الشرعية. حين يتحول المسار الديمقراطي إلى سوق مفتوحة
بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي

لم يعد الحديث عن الانتخابات في المغرب يثير الأمل بقدر ما يثير القلق، ولم تعد صناديق الاقتراع تُستحضر كآلية للتداول الديمقراطي، بل كواجهة شكلية تُخفي وراءها أعطابًا بنيوية عميقة. فحين يصبح وزير الداخلية، وهو المشرف الأول على العملية الانتخابية، موضوع اتهامات متداولة في الإعلام، وحين تُلصق شبهات بيع التزكيات والولاءات الحزبية بأسماء قيادات سياسية وازنة، فإن السؤال لم يعد عن نتائج الانتخابات، بل عن جدواها من الأصل.
إن ما يجري اليوم داخل عدد من الأحزاب لا يمكن وصفه إلا بانهيار أخلاقي وسياسي. التزكيات التي يفترض أن تُمنح بناءً على الكفاءة والنضال الحزبي، تحولت حسب ما يتردد بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية إلى سلعة تُباع وتُشترى. والمشهد لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما يُشبه “المركاتو” الانتخابي، حيث يُنقل المنتخبون من حزب إلى آخر كما يُنقل لاعبو كرة القدم، دون أي اعتبار للإرادة الشعبية أو للالتزام السياسي.
هذا الواقع يطرح أزمة ثقة حقيقية بين المواطن والعمل السياسي. فكيف يمكن إقناع المواطن بالمشاركة في انتخابات تُحوم حولها كل هذه الشبهات؟ وكيف يمكن الحديث عن تمثيلية حقيقية في ظل هذا العبث الذي يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها؟
الأخطر من ذلك، هو الصمت المريب للمؤسسات التي يفترض أن تلعب دور الحَكَم والضامن للنزاهة. النيابة العامة، التي يُنتظر منها فتح تحقيقات جادة في كل ما يُثار من اتهامات، تبدو وكأنها خارج التغطية. أما المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يفترض أن يكون صوت الضمير الحقوقي، فيعيش حالة جمود لا تواكب حجم الاختلالات المطروحة.
إن تآكل الثقة في المؤسسات ليس حدثًا عابرًا، بل هو مسار خطير يقود إلى فقدان الشرعية السياسية. وعندما يشعر المواطن أن صوته لا قيمة له، وأن النتائج تُطبخ مسبقًا في كواليس مغلقة، فإن العزوف الانتخابي يصبح خيارًا منطقيًا، بل واحتجاجًا صامتًا.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الانتخابات المقبلة مرشحة لأن تكون من الأسوأ في تاريخ المغرب منذ الاستقلال، ليس فقط بسبب الشبهات التي تحيط بها، بل بسبب السياق العام الذي تُجرى فيه: سياق يتسم بضعف الوساطة الحزبية، وبتراجع الخطاب السياسي، وبهيمنة المال والنفوذ.
لكن، رغم هذا السواد، يبقى السؤال معلقًا: هل ما زال بالإمكان إنقاذ ما تبقى من المسار الديمقراطي؟ الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ حتمًا بفتح تحقيقات شفافة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي النزيه. دون ذلك، سنكون أمام انتخابات بلا روح، وديمقراطية بلا مضمون.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة انتخابات، بل أزمة نظام سياسي يحتاج إلى مراجعة عميقة، قبل أن يفقد ما تبقى له من ثقة وشرعية.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.





