انتخاب محمد شوكي .حين تتحول الأحزاب إلى واجهة للعبث السياسي

مرة أخرى، يؤكد الواقع السياسي المغربي أن ما يجري داخل الأحزاب ليس ممارسة ديمقراطية حقيقية، بل مسرحية مكررة تُدار من خلف الستار. انتخاب محمد شوكي رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلفا لعزيز أخنوش، ليس حدثا عاديا في الحياة الحزبية، بل فضيحة سياسية وأخلاقية بكل المقاييس، تكشف عمق الأزمة التي يعيشها العمل السياسي بالمغرب.
كيف يمكن لمناضل عابر في حزب الأصالة والمعاصرة، بلا مسار نضالي واضح ولا رصيد فكري أو سياسي، أن يتحول فجأة إلى زعيم حزب يقود الحكومة؟ أي منطق هذا ؟ وأي ديمقراطية هذه ؟ وأي احترام لإرادة المناضلين والمواطنين ؟
الجواب بسيط ومؤلم: نحن لا نعيش حياة حزبية حقيقية، بل نعيش تدبيرا تقنوقراطيا للسياسة، حيث تُصنع القيادات في المختبرات، وتُوزع المناصب بقرارات فوقية، بعيدا عن صناديق الاقتراع وعن القواعد الحزبية.
فلطالما روجت بعض الأحزاب، وعلى رأسها التجمع الوطني للأحرار، لنفسها كـ”نموذج للحداثة والديمقراطية الداخلية”. لكن ما وقع اليوم نسف هذه الأسطورة من جذورها.
فالتداول لم يتم على أساس الكفاءة، ولا الشرعية النضالية، ولا البرنامج السياسي، بل على أساس الولاء والاصطفاف داخل منظومة التحكم.
هكذا تتحول إذن الأحزاب من فضاءات للتأطير والتكوين السياسي إلى مجرد شركات انتخابية، تُدار بمنطق الربح والخسارة، لا بمنطق المصلحة العامة.
أما بالنسبة لتجربة عزيز الدروش فيبرز موقفه كمناضل وفاعل سياسي نموذجا للتحليل الصادق والمسؤول. فمنذ سنوات، وهو يحذر من تفريغ السياسة من مضمونها، ومن تحويل الأحزاب إلى ديكور ديمقراطي، ومن اختطاف القرار السياسي من طرف شبكات المصالح.
اليوم، تؤكد الأحداث صحة هذه المواقف. لم تكن مواقف عزيز الدروش صادرة عن مزايدة إعلامية أو بحث عن شعبوية، بل عن تجربة نضالية تجاوزت أربعين سنة، ومعرفة دقيقة بخبايا الحقل السياسي، واحتكاك يومي بالواقع الميداني.
لطالما قالها بوضوح : لا إصلاح بدون ديمقراطية داخلية،
– ولا مصداقية بدون استقلال القرار – ولا ثقة بدون محاسبة.
واليوم، تثبت الوقائع أنه كان على حق .
الأحزاب والنقابات … من أدوات نضال إلى أدوات تزيين
الأخطر من تعيين رئيس حزب بلا شرعية سياسية، هو أن الظاهرة أصبحت عامة. أغلب الأحزاب والنقابات تحولت إلى هياكل فارغة، تُستعمل لتزيين المشهد، وإيهام الداخل والخارج بوجود تعددية سياسية.
أما في العمق، فالقرار يُصنع خارجها، والبرامج تُفرض عليها، والقيادات تُهندس مسبقا.
وهكذا، يفقد المواطن الثقة، ويبتعد الشباب عن العمل السياسي، وتتسع الهوة بين الدولة والمجتمع.
أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة تنظيم
ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة مؤسسات، بل أزمة قيم.
أزمة صدق … أزمة التزام … أزمة وفاء للمبادئ.
حين يصبح الانتقال من حزب إلى آخر مجرد تفصيل، وحين تصير الزعامة مكافأة لا نتيجة مسار، نكون أمام انهيار أخلاقي قبل أن يكون سياسيا.
إن ما وقع يجب أن يكون جرس إنذار لكل القوى الحية في هذا الوطن. فلا إصلاح بدون مواجهة حقيقية، ولا تغيير بدون معارضة مبدئية، ولا مستقبل بدون إعادة الاعتبار للسياسة كخدمة عمومية، لا كامتياز شخصي.
هنا تبرز أهمية الأصوات الحرة، وعلى رأسها صوت عزيز الدروش، الذي ظل وفيا لخطه النقدي، مدافعا عن الديمقراطية الحقيقية، وعن كرامة المناضلين، وعن حق الشعب في تمثيل صادق.
انتخاب محمد شوكي إذن ليس حادثا معزولا، بل حلقة جديدة في مسلسل العبث السياسي. لكنه في المقابل، دليل جديد على أن التحليل الجاد، المبني على التجربة والميدان، لا يخطئ .
لقد انتصرت الحقيقة مرة أخرى.
وانتصرت مواقف عزيز الدروش.
وسقطت الأقنعة.
ويبقى السؤال الكبير :
إلى متى يستمر هذا العبث ومتى يستعيد المغاربة ثقتهم في السياسة ؟





