بعد سنوات من العبث بالزمن الحكومة تعيد ظبط عقارب الساعة إلى المواطنين بتوقيت غرينتش

على امتداد سنوات طويلة، لم يكن المغاربة يطالبون بزيادة في عدد ساعات اليوم، ولا باختراع زمن جديد خارج قوانين الطبيعة، بل كانوا يطالبون فقط باستعادة ساعة واحدة سلبت منهم بقرار إداري جعل العلاقة بين المواطن والوقت أشبه بمعركة يومية لا تنتهي.
واليوم، يبدو أن عقارب الساعة قررت أخيراً الانتصار للمنطق. فقد أعلنت الحكومة المغربية العودة رسمياً إلى التوقيت القانوني للمملكة (غرينتش) ابتداءً من 20 شتنبر 2026، منهية بذلك واحدة من أكثر التجارب الزمنية إثارة للجدل في تاريخ الإدارة المغربية الحديثة.
القرار لا يمثل مجرد تعديل تقني في التوقيت، بل يشكل اعترافاً ضمنياً بأن الزمن ليس رقماً على شاشة هاتف، بل جزء من حياة الناس وصحتهم وتوازنهم النفسي والاجتماعي. فطوال سنوات الساعة الإضافية، عاش ملايين المغاربة على إيقاع اختلال يومي؛ أطفال يتجهون إلى مدارسهم في ظلام الفجر، وأسر تبدأ يومها قبل أن تستيقظ الشمس، وعمال وموظفون يطاردون النوم كما يطاردون الحافلات.
لقد تحولت الساعة الإضافية إلى تجربة اجتماعية واسعة النطاق لم يطلبها أحد، بينما تراكمت الشكاوى من اضطرابات النوم والإرهاق وضعف التركيز وتراجع المردودية الدراسية والمهنية. ومع كل موسم دراسي كان النقاش يعود من جديد، وكأن المغاربة مطالبون كل سنة بإثبات أن الليل ما زال ليلاً وأن الفجر لا ينبغي أن يكون موعداً للخروج الجماعي إلى الشوارع.
اللافت أن المدافعين عن التوقيت المضاف ظلوا يقدمون مبررات تقنية واقتصادية معقدة، بينما كان المواطن يقدم حجة أكثر بساطة وواقعية: إذا كان الزمن يخدم الاقتصاد على الورق ويعذب الإنسان على الأرض، فثمة خلل في المعادلة يستحق المراجعة.
إن العودة إلى غرينتش ليست انتصاراً لعقارب الساعة بقدر ما هي انتصار لفكرة أساسية غالباً ما تُنسى في السياسات العمومية: الإنسان هو الغاية وليس مجرد رقم داخل الدراسات والجداول.
قد لا يحل القرار جميع مشاكل المغرب، لكنه يبعث برسالة مهمة مفادها أن صوت المجتمع، مهما تأخر، يمكن أن يصل. أما الساعة الإضافية، التي نجحت لسنوات في توحيد المغاربة أكثر مما فعلت كثير من الملفات الأخرى، فتغادر المشهد تاركة وراءها درساً بسيطاً: ليس كل ما يُضاف إلى الزمن يُضيف راحة للناس.





