بلدي تُهمَّشُ فيه الكفاءات، ويُحتفى فيه باللصوص
بلدي تُهمَّشُ فيه الكفاءات، ويُحتفى فيه باللصوص

في زمنٍ تتسارع فيه الأمم نحو التقدّم، يبقى أكثر ما يؤلم الأوطان أن تتحوّل الموازين فيها رأسًا على عقب؛ حيث تصبح الكفاءة عبئًا يُخشى منه، بينما يغدو الفساد جواز مرور يفتح أبواب النفوذ والامتيازات.
لم يعد الحديث عن هجرة العقول مجرّد ترفٍ ثقافي، بل صار عنوانًا لأزمة عميقة يعيشها المجتمع، فحين يكدّ المتفوّقون سنوات ليصنعوا لأنفسهم مكانًا يليق بجهدهم، ثم يُفاجَئون بأن الأبواب تُفتح لغيرهم فقط لأنهم أتقنوا لغة “الولاء الأعمى” أو “شبكات المصالح”، فإن الرسالة تصبح واضحة: ليست الجودة هي المعيار، بل القدرة على التكيّف مع الفساد.
في مثل هذا المناخ، يكبر اللصوص بثقة، ويمضي المبدعون منكسري الخاطر، اللص لا يخشى العقاب لأنه يعلم أن الطريق مفروش بمن يصفّق له ويغض الطرف عنه، بينما صاحب الكفاءة يخشى أن يدفع ثمن صدقه أو نزاهته، وهكذا تتحوّل المؤسسات إلى مسارح صامتة يُمثَّل فيها دور البطولة لأولئك الذين يجيدون فنّ “الأخذ بلا عطاء”.
الأوطان التي تستصغر أبناءها المخلصين تُوقَّع على صكّ تراجعها بيدها، لا يمكن لبلد أن ينهض طالما تمتد يد الاحتفاء إلى من ينهب، وتُصفَع يد من يبني، ولا يمكن للتنمية أن تزدهر في ظل بيئة يتحوّل فيها الإبداع إلى ترف لا حاجة له، والنزاهة إلى شعارٍ يتيم يُرفع في المناسبات.
إن إعادة الأمور إلى نصابها ليست مهمة مستحيلة، يكفي أن يُعاد الاعتبار للجدارة، وأن تُفتح الأبواب على أساس الاستحقاق لا العلاقات، وأن يُقدّم القانون على المزاج، والوطن على المصالح الخاصة، فحين يشعر صاحب الكفاءة أن بلده يراه، ويحترمه، ويعطيه ما يستحق، لن يجد سببًا للهجرة أو الانكسار.
إن الأمم التي تُكرّم أبناءها الصادقين تنجو، والأوطان التي تتسامح مع اللصوص تُنهَب مرتين: مرة بأيديهم، ومرة بانسحاب الكفاءات منها.





